الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٤٦٤ - في وجوب الفحص عن الأعلم
فهرس الرسالة الصفحة ١٦٦
وتلبّس به الثاني، وهذا من العناوين التقييديّة للموضوع في نظر العقل والعرف.
ودليل الثالث هو دوران الأمر بين المحذورَين، لاحتمال وجوب البقاء على تقليد الأوّل وحرمة العدول عنه، واحتمال وجوب تقليد الثاني فيتخيّر حينئذ.
والأقوى هو الثاني.
ومنه يعلم حكم تقليد المفضول لتعذّر الوصول إلى الفاضل، ثمّ ارتفع العذر، فيجب عليه الأخذ بقول الفاضل وفتواه والعدول عن تقليد المفضول، وكذلك يظهر الحال فيما لو قلّد مجتهداً لاعتقاد أعلميّته ثمّ بان الخلاف، فيجب العدول عن تقليده إلى الأعلم.
التبعيض في التقليد:
إنّ هنا نظريّة خاصّة لنا، وهي التبعيض في التقليد، حسب انقسام الفقه إلى العبادات والمعاملات والإيقاعات والسّياسات، فلو فرضنا أعلميّة مجتهد من آخر في باب العبادات دون سائر الأبواب، وفرضنا مجتهداً آخر على عكس ذلك، فالواجب على حسب التقرير السابق التّبعيض في التقليد.
والتقليد التّام في شخص واحد لايتمّ إلاّ إذا كان أقوى ملكة من غيره في جميع أبواب الفقه، وهو وإن كان ميسوراً في القرون السابقة إلاّ أنّه ليس بميسور في عصورنا هذه بعد توسّع الفقه وتشعّب مسائله، وابتناء قسم منها على اطلاعات خاصّة في بعض العلوم، وهذا يفرض علينا تقسيم التّخصّصات في الفقه لإحراز الأعلمية بواقعيّتها وحقيقتها في كلّ حسب تخصّصه، ويتفرّع عليه التبعيض في التقليد، وهذا وإن كان غريباً بدواً إلاّّ أنّه بلحاظ ما ذكرناه لا غرابة فيه، خصوصاً بالنّسبة للعصور الآتية. وقد أوضحنا نظريّتنا في مقدّمة كتاب «المواهب في تحرير أحكام المكاسب» فراجعه [١].
[١]المواهب: ٤ ـ ٧.