الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٤٢٧ - المقام الأوّل ما يصحّ للعاميّ أن يعتمد عليه في أمر التقليد
فهرس الرسالة الصفحة ١٢٩
فلاحاجة معه إلى الرّجوع إلى الغير لأنّ المفروض وقوفه على نفس الواقع، والقطع حجّة ذاتيّة.
أمّا الثاني، فعليه أن يتحرّى في ذلك المجال، ويقف على ما هو حجّة بينه وبين ربّه، حتى يكون معذوراً عنده، إذا خالف الواقع.
وبعبارة أُخرى: إنّ هذا الحكم اجتهاديّ لاتقليديّ، يدركه عقل العاميّ بعد التدبر والتفكّر، ولو كانت المسألة تقليدية لدار، إذ لو كانت كذلك، توقف التقليد فيها على مجوّز له، فلو كان المجوّز حكم العقل، لاغنى عن التقليد في نفس هذه المسألة أيضاً، ولو كان المجوّز الشرع، لايصحّ له الاعتماد عليه إلاّ بالتقليد، وهو يتوقف على مجوّز ثان، فإمّا يتسلسل أو يدور، فلا محيص لقطع التسلسل ودفع الدّور عن كون المسألة عقليّة مدركة للعاميّ بأدنى تأمّل.
فإن قلت: إنّ أقصى مايحكم به عقله هو لزوم تحصيل الحجّة في مجال الحياة، وأمّا أنّ الحجّة هي قول الفقيه وفتوى المفتي، فهو ممّا لايستقلّ به العقل، وبعبارة أُخرى: العقل يستقلّ بالكبرى أي لزوم تحصيل الحجّة، وأمّا أنّ قول المفتي ورأي المجتهد حجّة بينه وبين اللّه، فليس هذا من المستقّلات العقليّة، فلا بدّ في إثبات لزوم الرّجوع إليه من التماس دليل.
قلت: إنّ العقل يستقلّ في أنّ الحجّة للعاميّ هي فتوى الفقيه، بعد الوقوف على السيرة العقلائية السائدة في جميع الأعصار وهي لزوم رجوع الجاهل إلى العالم، وهذا أصل قام عليه صرح الحياة من أقدم العصور إلى يومنا هذا، ولولاه لانهارت الحياة وانقضّ عمودها، إذ من المستحيل أن يستقلّ كلّ فرد متحضّر بإنجاز جميع حاجاته من جميع النواحي، فلا محيص من تقسيم الحاجات الأوّليّة والثانويّة حتّى يتحمّل كلّ جانب من جوانب الحياة عدّة من أفراد المجتمع لتحلّ العقدة،