الرسائل الأربع: قواعد أصولیة و فقهیة - عدة من الأفاضل - الصفحة ٣٦٣ - الثاني في أحكام المتجزّي
فهرس الرسالة الصفحة ٦٥
نعم، ربمّا يكونُ رأي المتجزّي أقرب إلى الواقع من المطلق، كما إذا بذل جهده في باب أو أبواب مترابطة سنين، وبرز وبرع وظهرت مقدرته فيه أو فيها،وإذا كانت الفقاهة أمراً قابلاً للتفصيل فهذا المتجزّي أكثر فقاهة من المطلقالّذي صرف عمره في جميع الأبواب، ولم يتوفّق للدّقة والإمعان في كلّ باب بحسبه.
وقد مضى أنّ مبادئ الاستنباط في العبادات غيرها في المعاملات، وأنّ كلاً يحتاج إلى شيء لايحتاج إليه الآخر، بل يحتاج إلى أمر آخر، فلا مانع أن يكون رأي المتجزّي الملمّ في العبادات مثلاً أقرب إلى الواقع من المطلق الملمّ في جميع أبواب الفقه إلاّ أنّه لم تظهر الدقّة والبراعة القويتين منه.
فإن قلت: قد مضى أنّ المقبولة والمشهورة المتقدّمتين غير آبيتين عن الرّجوع إلى المتجزّي إذا استنبط مقداراً معتدّاً به من الأحكام، وجازَ قضاؤه ونفذ حكمه، فلماذا لا يجوز أخذ الفتوى منه؟
قلت: إنّ مورد الروايتين هو القضاء والحكومة وهما غير أخذ الفتوى، وعدماشتراط الاجتهاد المطلق فضلاً عن الأعلمية في نفوذ القضاء، لايكون دليلاً على عدم اشتراطهما في الفتوى، ضرورة أنّ اشتراط الأعلمية في القاضي موجب لسدباب القضاء في وجه الأُمّة إلاّ في بلد يعيش فيه الأعلم، وهو واضح البطلانبخلاف اشتراطهما في أخذ الفتوى أو المفتي، فإنّ فتواه تكفي لجميع الأُمّة.
وأمّا الثالث: وهو نفوذ قضائه، فقد عرفت حقّ الكلام فيه، فلا نعيد.