إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠١ - بيان الدواء النافع في حضور القلب
بيان الدواء النافع في حضور القلب
اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظما للّٰه عز و جل و خائفا منه و راجيا له و مستحييا من تقصيره،فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه و إن كانت قوتها بقدر قوة يقينه، فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر و تقسم الخاطر و غيبة القلب عن المناجاة و الغفلة عن الصلاة،و لا يلهى عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة،فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر،و لا يدفع الشيء إلا بدفع سببه،فلتعلم سببه و سبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرا خارجا أو أمرا في ذاته باطنا،أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر،فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه و يتصرف فيه،ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره و يتسلسل،و يكون الإبصار سببا للافتكار،ثم تصير بعض تلك الأفكار سببا للبعض،و من قويت نيته و علت همته لم يلهه ما جرى على حواسه،و لكن الضعيف لا بد و أن يتفرق به فكره.و علاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره،أو يصلى في بيت مظلم،أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه،و يقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره ،و يحترز من الصلاة على الشوارع،و في المواضع المنقوشة المصنوعة،و على الفرش المصبوغة،و لذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته قدر السجود ليكون ذلك أجمع للهم.و الأقوياء منهم كانوا يحضرون المساجد و يغضون البصر و لا يجاوزون به موضع السجود ،و يرون كمال الصلاة في أن لا يعرفوا من على يمينهم و شمالهم .و كان ابن عمر رضى اللّٰه عنهما لا يدع في موضع الصلاة مصحفا و لا سيفا إلا نزعه و لا كتابا إلا محاه و أما الأسباب الباطنة فهي أشد،فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ينحصر فكره في فن واحد،بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب،و غض البصر لا يغنيه،فإن ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل.فهذا طريقه أن يرد النفس قهرا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة و يشغلها به عن غيره.و يعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة و موقف المناجاة و خطر المقام بين يدي اللّٰه سبحانه و هول المطلع