إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٣ - بيان الدواء النافع في حضور القلب
و
روى أن أبا طلحة [١]صلى في حائط له فيه شجر فأعجبه دبسيّ طار في الشجر يلتمس مخرجا فأتبعه ببصره ساعة ثم لم يدر كم صلّى،فذكر لرسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم ما أصابه من الفتنة،ثم قال:يا رسول اللّٰه هو صدقة فضعه حيث شئت و عن رجل آخر أنه صلّى في حائط له و النخل مطوقة بثمرها فنظر إليها فأعجبته و لم يدر كم صلّى،فذكر ذلك لعثمان رضى اللّٰه عنه و قال:هو صدقة فاجعله في سبيل اللّٰه عز و جل،فباعه عثمان بخمسين ألفا،فكانوا يفعلون ذلك قطعا لمادة الفكر ،و كفارة لما جرى من نقصان الصلاة.و هذا هو الداء القامع لمادة العلة،و لا يغنى غيره.فأما ما ذكرناه من التلطف بالتسكين،و الرد إلى فهم الذكر،فذلك ينفع في الشهوات الضعيفة،و الهمم التي لا تشغل إلا حواشي القلب.فأما الشهوة القوية المرهقة فلا ينفع فيها التسكين،بل لا تزال تجاذبها و تجاذبك ثم تغلبك،و تنقضي جميع صلاتك في شغل المجاذبة.و مثاله رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره و كانت أصوات العصافير تشوش عليه،فلم يزل يطيرها بخشبة في يده و يعود إلى فكره،فتعود العصافير،فيعود إلى التنقير بالخشبة فقيل له إن هذا سير السواني،و لا ينقطع.فإن أردت الخلاص فاقطع الشجرة ،فكذلك شجرة الشهوات إذا تشعبت و تفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار،و انجذاب الذباب إلى الأقذار،و الشغل يطول في دفعها،فإن الذباب كلما ذب آب و لأجله سمى ذبابا،فكذلك الخواطر و هذه الشهوات كثيرة،و قلما يخلو العبد عنها،و يجمعها أصل واحد و هو حب الدنيا و كذلك رأس كل خطيئة و أساس كل نقصان و منبع كل فساد.و من انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها لا ليتزود منها و لا ليستعين بها على الآخرة،فلا يطمعن