إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٥ - أما الشروط السوابق
و أما الطهارة :فإذا أتيت بها في مكانك و هو ظرفك الأبعد،ثم في ثيابك و هي غلافك الأقرب،ثم في بشرتك و هو قشرك الأدنى،فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك و هو قلبك، فاجتهد له تطهيرا بالتوبة و الندم على ما فرطت،و تصميم العزم على الترك في المستقبل، فطهر بها باطنك فإنه موضع نظر معبودك و أما ستر العورة :فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق،فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق،فما بالك في عورات باطنك و فضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ربك عز و جل؟فأحضر تلك الفضائح ببالك،و طالب نفسك بسترها،و تحقق أنه لا يستر عن عين اللّٰه سبحانه ساتر،و إنما يكفرها الندم و الحياء و الخوف،فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف و الحياء من مكامنهما،فتذل بها نفسك،و يستكين تحت الخجلة قلبك، و تقوم بين يدي اللّٰه عز و جل قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء و الخوف و أما الاستقبال :فهو صرف ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت اللّٰه تعالى، أ فترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى أمر اللّٰه عز و جل ليس مطلوبا منك؟ هيهات!فلا مطلوب سواه،و إنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن،و ضبط للجوارح، و تسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب،فإنها إذا بغت و ظلمت في حركاتها و التفاتها إلى جهاتها،استتبعت القلب،و انقلبت به عن وجه اللّٰه عز و جل، فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك،فاعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها،فلا ينصرف القلب إلى اللّٰه عز و جل إلا بالتفرغ عما سواه و قد
قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[١] «إذا قام العبد إلى صلاته فكان هواه و وجهه و قلبه إلى اللّٰه عزّ و جلّ انصرف كيوم ولدته أمّه» أما الاعتدال قائما:فإنما هو مثول بالشخص و القلب بين يدي اللّٰه عز و جل،فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقا مطأطئا متنكسا،و ليكن وضع الرأس عن ارتفاعه