إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣ - الأصل السادس
الأصل الرابع
أن اللّٰه تعالى متفضل بالخلق و الاختراع،و متطوّل بتكليف العباد،و لم يكن الخلق و التكليف واجبا عليه.و قالت المعتزلة:وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد،و هو محال، إذ هو الموجب و الآمر و الناهي،و كيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم و خطاب ؟و المراد بالواجب أحد أمرين:إما الفعل الذي في تركه ضرر.إما آجل كما يقال:يجب على العبد أن يطيع اللّٰه حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار،أو ضرر عاجل كما يقال:يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت،و إما أن يراد به الذي يؤدى عدمه إلى محال،كما يقال:وجود المعلوم واجب ،إذ عدمه يؤدى إلى محال و هو أن يصير العلم جهلا،فان أراد الخصم بأن الخلق واجب على اللّٰه بالمعنى الأول فقد عرضه للضرر،و أن أراد به المعنى الثاني فهو مسلّم،إذ بعد سبق العلم لا بد من وجود المعلوم.و إن أراد به معنى ثالثا فهو غير مفهوم.و قوله:يجب لمصلحة عباده، كلام فاسد،فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد لم يكن للوجوب في حقه معنى.ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة،فأما أن يخلقهم في دار البلايا و يعرضهم للخطايا ثم يهدفهم لخطر العقاب و هول العرض و الحساب،فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب
الأصل الخامس
أنه يجوز على اللّٰه سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه،خلافا للمعتزلة،و لو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه،و قد سألوا ذلك فقالوا: رَبَّنٰا وَ لاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ و لأن اللّٰه تعالى أخبر نبيه صلّى اللّٰه عليه و سلم بأن أبا جهل لا يصدّقه ثم أمره بأن يأمره بأن يصدّقه في جميع أقواله، و كان من جملة أقواله أنه لا يصدقه،فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه؟و هل هذا الامحال وجوده ؟
الأصل السادس
أن للّٰه عز و جل إيلام الخلق و تعذيبهم من غير جرم سابق ،و من غير ثواب لا حق، خلافا للمعتزلة،لأنه متصرف في ملكه،و لا يتصوّر أن يعدو تصرفه ملكه،و الظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه،و هو محال على اللّٰه تعالى،فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما.و يدل على جواز ذلك وجوده،فان ذبح البهائم إيلام لها،و ما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة