إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٧ - و أما دعاء الاستفتاح
فأنت أطوع له منك للّٰه تعالى،فقد اتخذته إلهك و كبرته،فيوشك أن يكون قولك اللّٰه أكبر كلاما باللسان المجرد و قد تخلف القلب عن مساعدته،و ما أعظم الخطر في ذلك لو لا التوبة و الاستغفار و حسن الظن بكرم اللّٰه تعالى و عفوه
و أما دعاء الاستفتاح :
فأول كلماته قولك: وجهت وجهي الذي فطر السموات و الأرض و ليس المراد بالوجه الوجه الظاهر،فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة ،و اللّٰه سبحانه يتقدس عن أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه،و إنما وجه القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السموات و الأرض.فانظر إليه أ متوجه هو إلى أمانيه و همه في البيت و السوق متبع للشهوات،أو مقبل على فاطر السموات.و إياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب و الاختلاق ،و لن ينصرف الوجه إلى اللّٰه تعالى إلا بانصرافه عما سواه،فاجتهد في الحال في صرفه إليه و إن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقا.و إذا قلت:حنيفا مسلما،فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه و يده،فان لم تكن كذلك كنت كاذبا،فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال و تندم على ما سبق من الأحوال.و إذا قلت:و ما أنا من المشركين ،فأخطر ببالك الشرك الخفي،فان قوله تعالى (فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صٰالِحاً وَ لاٰ يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) [١]نزل فيمن يقصد بعبادته وجه اللّٰه و حمد الناس،و كن حذرا مشفقا من هذا الشرك،و استشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير براءة عن هذا الشرك ،فان اسم الشرك يقع على القليل و الكثير منه.و إذا قلت: محياى و مماتي للّٰه .فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود لسيده،و أنه إن صدر ممن رضاه و غضبه و قيامه و قعوده و رغبته في الحياة و رهبته من الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائما للحال و إذا قلت :أعوذ باللّٰه من الشيطان الرجيم ،فاعلم أنه عدوك و مترصد لصرف قلبك عن اللّٰه عز و جل حسدا لك على مناجاتك مع اللّٰه عز و جل و سجودك له،مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها و لم يوفق لها،و أن استعاذتك باللّٰه سبحانه منه بترك ما يحبه و تبديله بما يحب اللّٰه عز و جل لا بمجرد قولك،فان من قصده سبع أو عدو ليفترسه أو ليقتله فقال:
[١] الكهف:١١٠