إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٠ - و أما دوام القيام
و روي أن زرارة بن أوفى لما انتهى إلى قوله تعالى: (فَإِذٰا نُقِرَ فِي النّٰاقُورِ) [١]خر ميتا و كان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى: (إِذَا السَّمٰاءُ انْشَقَّتْ) [٢]اضطرب حتى تضرب أوصاله.و قال عبد اللّٰه بن واقد :رأيت ابن عمر يصلي مغلوبا عليه.و حق له أن يحترق قلبه بوعد سيده و وعيده،فإنه عبد مذنب ذليل بين يدي جبار قاهر،و تكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم،و يكون الفهم بحسب و فور العلم و صفاء القلب.
و درجات ذلك لا تنحصر.و الصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات.فهذا حق القراءة و هو حق الأذكار و التسبيحات أيضا ثم يراعي الهيبة في القراءة،فيرتل و لا يسرد،فان ذلك أيسر للتأمل،و يفرق بين نغماته في آية الرحمة و العذاب،و الوعد و الوعيد،و التحميد و التعظيم و التمجيد .كان النخعي إذا مر بمثل قوله عز و جل: (مَا اتَّخَذَ اللّٰهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مٰا كٰانَ مَعَهُ مِنْ إِلٰهٍ) [٣]يخفض صوته كالمستحي عن أن يذكره بكل شيء لا يليق به.
و روى «أنّه يقال[١]لقارئ القرءان اقرأ و ارق و رتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا»
و أما دوام القيام
فإنه تنبيه على إقامة القلب مع اللّٰه عز و جل على نعت واحد من الحضور.
قال صلّى اللّٰه عليه و سلم: «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ[٢]مقبل على المصلّى ما لم يلتفت » و كما تجب حراسة الرأس و العين عن الالتفات إلى الجهات ،فكذلك تجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الصلاة.فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع اللّٰه عليه و بقبح التهاون بالمناجى عند غفلة المناجى ليعود إليه و ألزم الخشوع للقلب بأن الخلاص عن الالتفات باطنا و ظاهرا ثمرة الخشوع،و مهما خشع الباطن خشع الظاهر.
قال صلّى اللّٰه عليه و سلم و قد رأى رجلا مصليا يعبث بلحيته: «أمّا هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه» فان الرعية بحكم الراعي.و لهذا ورد في الدعاء[٣] «اللّهمّ أصلح الرّاعى و الرّعيّة» و هو القلب و الجوارح
[١] المدثر:٨
[٢] الإنشقاق:١
[٣] المؤمنون:٩١