إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٦ - بيان اشتراط الخشوع و حضور القلب
عن الحسن أنه قال:كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع.و عن معاذ ابن جبل:من عرف من على يمينه و شماله متعمدا و هو في الصلاة فلا صلاة له و روى أيضا مسندا
قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم:[١] «إنّ العبد ليصلّى الصّلاة لا يكتب له سدسها و لا عشرها و إنّما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها » و هذا لو نقل عن غيره لجعل مذهبا فكيف لا يتمسك به.و قال عبد الواحد بن زيد :
أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.فجعله إجماعا.و ما نقل من هذا الجنس عن الفقهاء المتورعين و عن علماء الآخرة أكثر من أن يحصى .و الحق الرجوع إلى أدلة الشرع،و الأخبار و الآثار ظاهرة في هذا الشرط ،إلا أن مقام الفتوى في التكليف الظاهر يتقدر بقدر قصور الخلق،فلا يمكن أن يشترط على الناس إحضار القلب في جميع الصلاة،فإن ذلك يعجز عنه كل البشر إلا الأقلين.و إذا لم يمكن اشتراط الاستيعاب للضرورة فلا مرد له،إلا أن يشترط منه ما ينطلق عليه الاسم و لو في اللحظة الواحدة، و أولى اللحظات به لحظة التكبير،فاقتصرنا على التكليف بذلك و نحن مع ذلك نرجو أن لا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التارك بالكلية،فإنه على الجملة أقدم على الفعل ظاهرا و أحضر القلب لحظة،و كيف لا و الذي صلى مع الحدث ناسيا صلاته باطلة عند اللّٰه تعالى و لكن له أجر ما بحسب فعله و على قدر قصوره و عذره،و مع هذا الرجاء فيخشى أن يكون حاله أشد من حال التارك و كيف لا و الذي يحضر الخدمة و يتهاون بالحضرة و يتكلم بكلام الغافل المستحقر أشد حالا من الذي يعرض عن الخدمة.و إذا تعارض أسباب الخوف و الرجاء و صار الأمر مخطرا في نفسه فإليك الخيرة بعده في الاحتياط و التساهل،و مع هذا فلا مطمع في مخالفة الفقهاء فيما أفتوا به من الصحة مع الغفلة،فإن ذلك من ضرورة الفتوى كما سبق التنبيه عليه.و من عرف سر الصلاة علم أن الغفلة تضادها،و لكن قد ذكرنا في باب الفرق بين العلم الباطن و الظاهر في كتاب قواعد العقائد أن قصور الخلق أحد الأسباب المانعة عن التصريح بكل ما ينكشف من أسرار الشرع