إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١١ - و أما الركوع و السجود
و كان الصديق رضى اللّٰه عنه في صلاته كأنه وتد .و ابن الزبير رضى اللّٰه عنه كأنه عود و بعضهم كان يسكن في ركوعه بحيث تقع العصافير عليه كأنه جماد.و كل ذلك يقتضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا،فكيف لا يتقاضاه بين يدي ملك الملوك عند من يعرف ملك الملوك؟و كل من يطمئن بين يدي غير اللّٰه عز و جل خاشعا،و تضطرب أطرافه بين يدي اللّٰه عابثا،فذلك لقصور معرفته عن جلال اللّٰه عز و جل،و عن اطلاعه على سره و ضميره.و قال عكرمة في قوله عز و جل: (الَّذِي يَرٰاكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السّٰاجِدِينَ) [١]قال:قيامه و ركوعه و سجوده و جلوسه
و أما الركوع و السجود:
فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء اللّٰه سبحانه،و ترفع يديك مستجيرا بعفو اللّٰه عز و جل من عقابه بتجديد نية،و متبعا سنة نبيه صلّى اللّٰه عليه و سلم،ثم تستأنف له ذلاّ و تواضعا بركوعك،و تجتهد في ترقيق قلبك و تجديد خشوعك،و تستشعر ذلك و عز مولاك و اتضاعك و علو ربك و تستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك، فتسبح ربك و تشهد له بالعظمة،و أنه أعظم من كل عظيم،و تكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار،ثم ترتفع من ركوعك راجيا أنه راحم لك و مؤكدا للرجاء في نفسك بقولك:
سمع اللّٰه لمن حمده ،أي أجاب لمن شكره ثم تردف ذلك بالشكر المتقاضي للمزيد فتقول: ربنا لك الحمد .و تكثر الحمد بقولك ملء السموات و ملء الأرض.ثم تهوى إلى السجود و هو أعلى درجات الاستكانة ،فتمكن أعز أعضائك و هو الوجه،من أذل الأشياء و هو التراب .و إن أمكنك أن لا تجعل بينهما حائلا فتسجد على الأرض فافعل،فإنه أجلب للخشوع،و أدل على الذل.و إذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها،و رددت الفرع إلى أصله ،فإنك من التراب خلقت، و إليه تعود،فعند هذا جدد على قلبك عظمة اللّٰه و قل سبحان ربي الأعلى ،و أكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك و ظهر ذلك فلتصدق رجاءك في رحمة اللّٰه فإن رحمته تتسارع إلى الضعف و الذل،لا إلى التكبر و البطر.فارفع رأسك مكبرا
[١] الشعراء:٢١٨