إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٩ - الطرف الثالث في كيفية الإزالة
و كذا اللبن يقع فيه و هو قليل فتبطل صفته،و يتصوّر بصفة الماء و ينطبع بطبعه،إلا إذ كثر و غلب.و تعرف غلبته طعمه أو لونه أو ريحه فهذا المعيار و قد أشار الشرع إليه في الماء القوى على إزالة النجاسة،و هو جدير بأن يعول عليه،فيندفع به الحرج،و يظهر به معنى كونه طهورا،إذ يغلب عليه فيطهره،كما صار كذلك فيما بعد القلتين،و في الغسالة،و في الماء الجاري،و في إصغاء الإناء للهرة و لا تظن ذلك عفوا إذ لو كان كذلك لكان كأثر الاستنجاء و دم البراغيث حتى يصير الماء الملاقى له نجسا،و لا ينجس بالغسالة،و لا بولوغ السنور في الماء القليل و أما
قوله صلّى اللّٰه عليه و سلم «لا يحمل خبثا» فهو في نفسه مبهم،فإنه يحمل إذا تغير.
فان قيل:أراد به إذا لم يتغير،فيمكن أن يقال:إنه أراد به أنه في الغالب لا يتغير بالنجاسات المعتادة.ثم هو تمسك بالمفهوم فيما إذا لم يبلغ قلتين،و ترك المفهوم بأقل من الأدلة التي ذكرناها ممكن.و قوله:«لا يحمل خبثا»ظاهره نفى الحمل أي يقلبه إلى صفة نفسه،كما يقال للمملحة لا تحمل كلبا و لا غيره أي ينقلب،و ذلك لأن الناس قد يستنجون في المياه القليلة و في الغدران و يغمسون الأواني النجسة فيها ثم يتردّدون في أنها تغيرت تغيرا مؤثرا أم لا.فتبين أنه إذا كان قلتين لا يتغير بهذه النجاسات المعتادة فإن قلت:فقد
قال النبي صلّى اللّٰه عليه و سلم «لا يحمل خبثا» و مهما كثرت حملها، فهذا ينقلب عليك فإنها مهما كثرت حملها حكما كما حملها حسا،فلا بد من التخصيص بالنجاسات المعتادة على المذهبين جميعا و على الجملة فميلى في أمور النجاسات المعتادة إلى التساهل،فهما من سيرة الأولين، و حسما لمادة الوسواس،و بذلك أفتيت بالطهارة فيما وقع فيه الخلاف في مثل هذه المسائل
الطرف الثالث في كيفية الإزالة
و النجاسة إن كانت حكمية و هي التي ليس لها جرم محسوس،فيكفي إجراء الماء على جميع مواردها.و إن كانت عينية فلا بد من إزالة العين.و بقاء الطعم يدل على بقاء العين.