إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٨ - الطرف الثاني في المزال به
و إن أحيل ذلك على الحاجة،فالحاجة أيضا ماسة إلى هذا،فلا فرق بين طرح الماء في أجانة فيها ثوب نجس،أو طرح الثوب النجس في الأجانة فيها ماء،و كل ذلك معتاد في غسل الثياب و الأواني و الخامس:أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة،و لا خلاف في مذهب الشافعي رضى اللّٰه عنه أنه إذا وقع بول في ماء جار و لم يتغير أنه يجوز التوضؤ به و إن كان قليلا ،و أيّ فرق بين الجاري و الراكد .و ليت شعري هل الحوالة على عدم التغير أولى أو على قوّة الماء بسبب الجريان؟ثم ما حدّ تلك القوة:أ تجري في المياه الجارية في أنابيب الحمامات أم لا؟فإن لم تجر فما الفرق،و إن جرت فما الفرق بين ما يقع فيها و بين ما يقع في مجرى الماء من الأواني علي الأبدان و هي أيضا جارية؟ثم البول أشد اختلاطا بالماء الجاري من نجاسة جامدة ثابتة إذا قضى بأن ما يجرى عليها و إن لم يتغير نجس إلى أن يجتمع في مستنقع قلتان،فأي فرق بين الجامد و المائع و الماء واحد و الاختلاط أشد من المجاورة؟ و السادس:أنه إذا وقع رطل من البول في قلتين،ثم فرقتا فكل كوز يغترف منه طاهر ،و معلوم أن البول منتشر فيه و هو قليل ،و ليت شعري:هل تعليل طهارته بعدم التغير أولى أو بقوة كثرة الماء بعد انقطاع الكثرة و زوالها مع تحقق بقاء أجزاء النجاسة فيها و السابع:أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون و يغمسون الأيدي و الأواني في تلك الحياض مع قلة الماء،و مع العلم بأن الأيدي النجسة و الطاهرة كانت تتوارد عليها فهذه الأمور مع الحاجة الشديدة تقوى في النفس أنهم كانوا ينظرون إلى عدم التغير، معوّلين على
قوله صلّى اللّٰه عليه و سلم[١] «خلق الماء طهورا لا ينجسّه شيء إلاّ ما غيّر طعمه أو لونه أو ريحه» و هذا فيه تحقيق،و هو أن طبع كل مائع أن يقلب إلى صفة نفسه كل ما يقع فيه و كان مغلوبا من جهته،فكما ترى الكلب يقع في المملحة فيستحيل ملحا،و يحكم بطهارته بصيرورته ملحا و زوال صفة الكلبية عنه،فكذلك الخل يقع في الماء،