إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٣ - و القسم الثالث
الثالث:أن لا يخرج بدلا باعتبار القيمة
،بل يخرج المنصوص عليه،فلا يجزئ ورق عن ذهب و لا ذهب عن ورق،و إن زاد عليه في القيمة .و لعل بعض من لا يدرك غرض الشافعي رضى اللّه عنه يستأهل في ذلك و يلاحظ المقصود من سد الخلة،و ما أبعده عن التحصيل،فان سد الخلة مقصود،و ليس هو كل المقصود،بل
واجبات الشرع ثلاثة أقسام:
قسم هو تعبد محض
لا مدخل للحظوظ و الأغراض فيه،و ذلك كرمى الجمرات مثلا، إذ لا حظّ للجمرة في وصول الحصى إليها،فمقصود الشرع فيه الابتلاء بالعمل ليظهر العبد رقه و عبوديته بفعل ما لا يعقل له معنى،لأن ما يعقل معناه فقد يساعده الطبع عليه و يدعوه اليه فلا يظهر به خلوص الرق و العبودية،إذ العبودية تظهر بأن تكون الحركة لحق أمر المعبود فقط لا لمعنى آخر ،و أكثر أعمال الحج كذلك،و لذلك
قال صلّى اللّه عليه و سلّم[١] في إحرامه «لبّيك بحجّة حقّا تعبّدا و رقّا» تنبيها على أن ذلك إظهار للعبودية بالانقياد لمجرد الأمر و امتثاله كما أمر من غير استئناس العقل منه بما يميل إليه و يحث عليه
القسم الثاني:
من واجبات الشرع ما المقصود منه حظ معقول و ليس يقصد منه التعبد كقضاء دين الآدميين و رد المغصوب،فلا جرم لا يعتبر فيه فعله و نيته،و مهما و صل الحق إلى مستحقه بأخذ المستحق أو يبدل عنه عند رضاه تأدى الوجوب و سقط خطاب الشرع.
فهذان قسمان لا تركيب فيهما يشترك في دركهما جميع الناس
و القسم الثالث:
هو المركب الذي يقصد منه الأمران جميعا و هو حظ العباد و امتحان المكلف بالاستعباد،فيجتمع فيه تعبد رمى الجمار و حظ رد الحقوق.فهذا قسم في نفسه معقول،فان ورد الشرع به وجب الجمع بين المعنيين،و لا ينبغي أن ينسى أدق المعنيين و هو التعبد و الاسترقاق بسبب أجلاهما،و لعل الأدق هو الأهم.و الزكاة من هذا القبيل،و لم ينتبه له غير الشافعي رضى اللّه عنه،فحظ الفقير مقصود في سد الخلة و هو جلى سابق إلى الأفهام،و حق التعبد في اتباع التفاصيل مقصود للشرع،و باعتباره صارت الزكاة قرينة للصلاة و الحج في كونها من مبانى الإسلام و لا شك في أن على المكلف تعبا في تمييز أجناس ماله و إخراج حصة كل مال من نوعه و جنسه و صفته،ثم توزيعه على الأصناف الثمانية كما سيأتي،