إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٥ - الأول أن التلفظ بكلمتي الشهادة
و لو نقص منهم واحد مع الإمكان غرم نصيب ذلك الواحد،فان عشر عليه ذلك لقلة الواجب فليتشارك جماعة ممن عليهم الزكاة،و ليخلط مال نفسه بما لهم،و ليجمع المستحقين،و ليسلم إليهم حتى يتساهموا فيه فإن ذلك لا بد منه
بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة
اعلم أن على مريد طريق الآخرة بزكاته وظائف
الوظيفة الأولى:فهم وجوب الزكاة و معناها
،و وجه الامتحان فيها،و أنها لم جعلت من مبانى الإسلام مع أنها تصرف مالي و ليست من عبادة الأبدان:
و فيه ثلاثة معان
الأول:أن التلفظ بكلمتي الشهادة
التزام للتوحيد،و شهادة بافراد المعبود،و شرط تمام الوفاء به أن لا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد،فان المحبة لا تقبل الشركة، و التوحيد باللسان قليل الجدوى ،و إنما يمتحن به درجة المحب بمفارقة المحبوب،و الأموال محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا و بسببها يأنسون بهذا العالم و ينفرون عن الموت مع أن فيه لقاء المحبوب،فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب،و استنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم و معشوقهم،و لذلك قال اللّه تعالى: (إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [١]و ذلك بالجهاد،و هو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء اللّه عز و جل،و المسامحة بالمال أهون .و لما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام:
قسم صدّقوا التوحيد و وفوا بعهدهم و نزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا و لا درهما،فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم حتى قيل لبعضهم:كم يجب من الزكاة في مائتي درهم؟فقال:أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم،و أما نحن فيجب علينا بذل الجميع [١]و لهذا
تصدق أبو بكر رضى اللّه عنه بجميع ماله،و عمر رضى اللّه عنه بشطر ماله،فقال صلّى اللّه عليه و سلّم:ما أبقيت لأهلك؟فقال مثله.و قال لأبي بكر رضى اللّه عنه:ما أبقيت لأهلك؟قال اللّه و رسوله،فقال صلّى اللّه عليه و سلّم:«بينكما ما بين كلمتيكما » فالصديق وفّى بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده و هو اللّه و رسوله
[١] التوبة:١١١