إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١ - الأصل الثاني
الجزء الثّاني
[تتمة ربع العبادات]
[تتمة كتاب قواعد العقائد]
[تتمة الفصل الثالث]
الركن الثالث:العلم بأفعال اللّٰه تعالى
،و مداره على عشرة أصول
الأصل الأول
العلم بأن كل حادث في العالم فهو فعله
و خلقه و اختراعه،لا خالق له سواه و لا محدث له إلا إياه،خلق الخلق و صنعهم،و أوجد قدرتهم و حركتهم ،فجميع أفعال عباده مخلوقه له، و متعلقة بقدرته ،تصديقا له في قوله تعالى: (اللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) و في قوله تعالى: (-وَ اللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ) و في قوله تعالى (وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذٰاتِ الصُّدُورِ . أَ لاٰ يَعْلَمُ مَنْ خَلَق وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) أمر العباد بالتحرز في أقوالهم و أفعالهم و إسرارهم و إضمارهم،لعلمه بموارد أفعالهم و استدل على العالم بالخلق،و كيف لا يكون خالقا لفعل العبد و قدرته تامة لا قصور فيها،و هي متعلقة بحركة أبدان العباد،و الحركات متماثلة، و تعلق القدرة بها لذاتها؟فما الذي يقصر تعلقها عن بعض الحركات دون البعض مع تماثلها؟أو كيف يكون الحيوان مستبدا بالاختراع و يصدر من العنكبوت و النحل و سائر الحيوانات من لطائف الصناعات ما يتحير فيه عقول ذوي الألباب؟فكيف انفردت هي باختراعها دون رب الأرباب و هي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الاكتساب؟هيهات هيهات!ذلت المخلوقات،و تفرد بالملك و الملكوت جبار الأرض و السموات
الأصل الثاني
أن انفراد اللّٰه سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب،بل اللّٰه تعالى خلق القدرة و المقدور جميعا،و خلق الاختيار و المختار جميعا.فأما القدرة فوصف للعبد و خلق للرب سبحانه و ليست بكسب له.و أما الحركة فخلق للرب تعالى و وصف للعبد و كسب له،فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه،و كانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة،فتسمى باعتبار تلك النسبة كسبا،و كيف تكون جبرا محضا و هو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة و الرعدة الضرورية؟أو كيف يكون خلقا للعبد و هو لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة و أعدادها،و إذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد،و هو أنها مقدورة بقدرة اللّٰه تعالى اختراعا ،و بقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب ،و ليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط،إذ