إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٨ - فأما القراءة فالناس فيها ثلاثة
أعوذ منك بذلك الحصن الحصين و هو ثابت على مكانه فان ذلك لا ينفعه،بل لا يعيده إلا تبديل المكان،فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان و مكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول.فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن اللّٰه عز و جل عن شر الشيطان،و حصنه لا إله إلا اللّٰه،إذ
قال عز و جل فيما أخبر عنه نبينا صلّى اللّٰه عليه و سلم[١] «لا إله إلاّ اللّٰه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي» و المتحصن به من لا معبود له سوى اللّٰه سبحانه،فأما من اتخذ إلهه هواه فهو في ميدان الشيطان لا في حصن اللّٰه عز و جل و اعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة و تدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ،فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معانى قراءتك فهو وسواس،فان حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها
فأما القراءة فالناس فيها ثلاثة :
رجل يتحرك لسانه و قلبه غافل،و رجل يتحرك لسانه و قلبه يتبع اللسان فيفهم و يسمع منه كأنه يسمعه من غيره،و هي درجات أصحاب اليمين، و رجل يسبق قلبه إلى المعاني أولا ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه،ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب،و المقربون لسانهم ترجمان يتبع القلب و لا يتبعه القلب و تفصيل ترجمة المعاني أنك إذا قلت:بسم اللّٰه الرحمن الرحيم فانو به التبرك لابتداء القراءة لكلام اللّٰه سبحانه.و افهم أن معناها أن الأمور كلها باللّٰه سبحانه،و أن المراد بالاسم هاهنا هو المسمى.و إذا كانت الأمور باللّٰه سبحانه فلا جرم كان الحمد للّٰه.و معناه أن الشكر للّٰه إذ النعم من اللّٰه.و من يرى من غير اللّٰه نعمة أو يقصد غير اللّٰه سبحانه بشكر لا من حيث إنه مسخر من اللّٰه عز و جل ففي تسميته و تحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير اللّٰه تعالى.
فإذا قلت:الرحمن الرحيم،فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبعث بها رجاؤك،ثم استثر من قلبك التعظيم و الخوف بقولك:مالك يوم الدين