إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٦ - كتاب أسرار الزكاة
>كتاب أسرار الزكاة بسم اللّٰه الرحمن الرحيم <
الحمد للّٰه الذي أسعد و أشقى،و أمات و أحيا،و أضحك و أبكى،و أوجد و أفنى ،و أفقر و أغنى،و أضر و أقنى،الذي خلق الحيوان من نطفة تمنى،ثم تفرد عن الخلق بوصف الغنى ،ثم خصص بعض عباده بالحسنى،فأفاض عليهم من نعمه ما أيسر به من شاء و استغنى ،و أحوج إليه من أخفق في رزقه و أكدى،إظهارا للامتحان و الابتلاء،ثم جعل الزكاة للدين أساسا و مبنى،و بين أن بفضله تزكى من عباده من تزكى و من غناه زكى ماله من زكى.و الصّلاة على محمد المصطفى سيد الورى و شمس الهدى،و على آله و أصحابه المخصوصين بالعلم و التقى أما بعد:فإن اللّٰه تعالى جعل الزكاة إحدى مبانى الإسلام،و أردف بذكوها الصلاة التي هي أعلى الأعلام فقال تعالى: (وَ أَقِيمُوا الصَّلاٰةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ) [١]
و قال صلّى اللّٰه عليه و سلم:[١] «بنى الإسلام على خمس:شهادة أن لا إله إلاّ اللّٰه و أنّ محمّدا عبده و رسوله و إقام الصّلاة و إيتاء الزّكاة » و شدد الوعيد على المقصرين فيها فقال: (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُون َ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ) [٢]و معنى الإنفاق في سبيل اللّٰه إخراج حق الزكاة .قال الأحنف بن قيس :كنت في نفر من قريش فمر أبو ذر فقال:بشر الكانزين بكيّ في ظهورهم يخرج من جنوبهم،و بكيّ في أقفائهم يخرج من جباههم .و في رواية أنه يوضع على حلمة ثدي أحدهم فيخرج من نغض كتفيه و يوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل .
و قال أبو ذر : انتهيت إلى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم[٢]و هو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال:«هم الأخسرون و ربّ الكعبة »فقلت و من هم؟قال«الأكثرون أموالا إلاّ من قال هكذا و هكذا من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و قيل:ما هم ما من صاحب إبل و لا بقر و لا غنم لا يؤدّى زكاتها إلاّ جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت و أسمنه،تنطحه بقرونها و تطؤه بأظلافها كلّما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتّى يقضى بين النّاس »
[١] البقرة:١١٠
[٢] التوبة:٣٤