إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٥ - بيان اشتراط الخشوع و حضور القلب
و لسانه يتحرك بحكم العادة،فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت لتصقيل القلب و تجديد ذكر اللّٰه عز و جل و رسوخ عقد الإيمان به:هذا حكم القراءة و الذكر و بالجملة فهذه الخاصية لا سبيل إلى إنكارها في النطق و تمييزها عن الفعل و أما الركوع و السجود فالمقصود بهما التعظيم قطعا،و لو جاز أن يكون معظما للّٰه عز و جل بفعله و هو غافل عنه لجاز أن يكون معظما لصنم موضوع بين يديه و هو غافل عنه أو يكون معظما للحائط الذي بين يديه و هو غافل عنه،و إذا خرج عن كونه تعظيما لم يبق إلا مجرد حركة الظهر و الرأس،و ليس فيه من المشقة ما يقصد الامتحان به ثم يجعله عماد الدين و الفاصل بين الكفر و الإسلام و يقدم على الحج و سائر العبادات ،و يجب القتل بسبب تركه على الخصوص و ما أرى أن هذه العظمة كلها للصلاة من حيث أعمالها الظاهرة إلا أن يضاف إليها مقصود المناجاة،فإن ذلك يتقدم على الصوم و الزكاة و الحج و غيره،بل الضحايا و القرابين التي هي مجاهدة للنفس بتنقيص المال ،قال اللّٰه تعالى: (لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لاٰ دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ مِنْكُمْ) [١]أي الصفة التي استولت على القلب حتى حملته على امتثال الأوامر هي المطلوبة،فكيف الأمر في الصلاة و لا أرب في أفعالها؟فهذا ما يدل من حيث المعنى على اشتراط حضور القلب فإن قلت:إن حكمت ببطلان الصلاة و جعلت حضور القلب شرطا في صحتها خالفت إجماع الفقهاء،فإنهم لم يشترطوا إلا حضور القلب عند التكبير فاعلم أنه قد تقدم في كتاب العلم أن الفقهاء لا يتصرفون في الباطن و لا يشقون عن القلوب و لا في طريق الآخرة،بل يبنون ظاهر أحكام الدين على ظاهر أعمال الجوارح، و ظاهر الأعمال كاف لسقوط القتل و تعزير السلطان ،فأما أنه ينفع في الآخرة فليس هذا من حدود الفقه .على أنه لا يمكن أن يدعى الإجماع،فقد نقل عن بشر بن الحارث فيما رواه عنه أبو طالب المكي عن سفيان الثوري أنه قال:من لم يخشع فسدت صلاته.و روى
[١] الحج:٣٧