إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٨ - بيان المعاني الباطنة التي تتم بها حياة الصلاة
الأسباب الخسيسة لا تسمى مهابة،بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة،و الهيبة خوف مصدرها الاجلال و أما الرجاء :فلا شك أنه زائد،فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته و لكن لا يرجو مثوبته،و العبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب اللّٰه عز و جل،كما أنه خائف بتقصيره عقاب اللّٰه عز و جل و أما الحياء:فهو زائد على الجملة،لأن مستنده استشعار تقصير و توهم ذنب،و يتصوّر التعظيم و الخوف و الرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير و ارتكاب ذنب و أما أسباب هذه المعاني الستة فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة،فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك،و مهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى،فهو مجبول على ذلك و مسخر فيه،و القلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل جائلا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا،فلا حيلة و لا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة،و الهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها،و ذلك هو الإيمان و التصديق بأن الآخرة خير و أبقى ،و أن الصلاة وسيلة إليها،فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا و مهماتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة ،و بمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على مضرتك و منفعتك،فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك الذي بيده الملك و الملكوت و النفع و الضر فلا تظننّ أن له سببا سوى ضعف الإيمان.فاجتهد الآن في تقوية الإيمان،و طريقه يستقصى في غير هذا الموضع و أما التفهم:فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر و صرف الذهن إلى إدراك المعنى.
و علاجه ما هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على الفكر و التشمر لدفع الخواطر و علاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها،أعنى النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها،و ما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر ،فمن أحب شيئا أكثر ذكره، فذكر المحبوب يهجم على القلب بالضرورة،فلذلك ترى أن من أحب غير اللّٰه لا تصفو له صلاة عن الخواطر