إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٩ - بيان المعاني الباطنة التي تتم بها حياة الصلاة
و أما التعظيم:فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين إحداهما معرفة جلال اللّٰه عز و جل و عظمته و هو من أصول الإيمان،فان من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه.
الثانية:معرفة حقارة النفس و خستها،و كونها عبدا مسخرا مربوبا،حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة و الانكسار و الخشوع للّٰه سبحانه،فيعبر عنه بالتعظيم،و ما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال اللّٰه لا تنتظم حالة التعظيم و الخشوع،فإن المستغنى عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة و لا يكون الخشوع و التعظيم حاله،لأن القرينة الأخرى و هي معرفة حقارة النفس و حاجتها لم تقترن إليه و أما الهيبة و الخوف:فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة اللّٰه و سطوته و نفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به و أنه لو أهلك الأوّلين و الآخرين لم ينقص من ملكه ذرة،هذا مع مطالعة ما يجرى على الأنبياء و الأولياء من المصائب و أنواع البلاء مع القدرة على الدفع على خلاف ما يشاهد من ملوك الأرض.و بالجملة كلما زاد العلم باللّٰه زادت الخشية و الهيبة،و سيأتي أسباب ذلك في كتاب الخوف من ربع المنجيات و أما الرجاء فسببه معرفة لطف اللّٰه عز و جل و كرمه و عميم إنعامه و لطائف صنعه و معرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة فإذا حصل اليقين بوعده و المعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة و أما الحياء فباستشعاره التقصير في العبادة و علمه بالعجز عن القيام بعظيم حق اللّٰه عز و جل و يقوى ذلك بالمعرفة بعيوب النفس و آفاتها،و قلة إخلاصها و خبث دخلتها، و ميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها،مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال اللّٰه عز و جل و العلم بأنه مطلع على السر و خطرات القلب و إن دقت و خفيت،و هذه المعارف إذا حصلت يقينا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء.فهذه أسباب هذه الصفات و كل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه،ففي معرفة السبب معرفة العلاج،و رابطة جميع هذه الأسباب الإيمان و اليقين،أعنى به هذه المعارف التي ذكرناها،و معنى كونها يقينا انتفاء الشك