إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٠ - بيان المعاني الباطنة التي تتم بها حياة الصلاة
و استيلاؤها على القلب كما سبق في بيان اليقين من كتاب العلم،و بقدر اليقين يخشع القلب، و لذلك
قالت عائشة رضى اللّٰه عنها «كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم يحدّثنا و نحدّثه فإذا حضرت الصّلاة كأنّه لم يعرفنا و لم نعرفه»
و قد روى أن اللّٰه سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام «يا موسى إذا ذكرتني فاذكرني و أنت تنتفض أعضاؤك،و كن عند ذكرى خاشعا مطمئنا،و إذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك،و إذا قمت بين يديّ فقم قيام العبد الدليل و ناجني بقلب وجل و لسان صادق»
و روى أن اللّٰه تعالى أوحى إليه: قل لعصاة أمتك لا يذكروني فإنى آليت على نفسي أن من ذكرني ذكرته فإذا ذكرونى ذكرتهم باللعنة. هذا في عاص غير غافل في ذكره، فكيف إذا اجتمعت الغفلة و العصيان .و باختلاف المعاني التي ذكرناها في القلوب انقسم الناس إلى غافل يتمم صلاته و لم يحضر قلبه في لحظة منها،و إلى من يتمم و لم يغب قلبه في لحظة،بل ربما كان مستوعب الهم بها بحيث لا يحس بما يجرى بين يديه و لذلك لم يحس مسلم ابن يسار بسقوط الاسطوانة في المسجد اجتمع الناس عليها،و بعضهم كان يحضر الجماعة مدة و لم يعرف قط من على يمينه و يساره،و وجيب قلب إبراهيم صلوات اللّٰه عليه و سلامه كان يسمع على ميلين،و جماعة كانت تصفر وجوههم و ترتعد فرائصهم و كل ذلك غير مستبعد،فان أضعافه مشاهد في همم أهل الدنيا و خوف ملوك الدنيا مع عجزهم و ضعفهم و خساسة الحظوظ الحاصلة منهم،حتى يدخل الواحد على ملك أو وزير و يحدثه بمهمته ثم يخرج و لو سئل عمن حواليه أو عن ثوب الملك لكان لا يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه به عن ثوبه و عن الحاضرين حواليه.و لكلّ درجات مما عملوا فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه و خشوعه و تعظيمه،فإن موقع نظر اللّٰه سبحانه القلوب دون ظاهر الحركات ،و لذلك قال بعض الصحابة رضى اللّٰه عنهم:يحشر الناس يوم القيامة على مثال هيئتهم في الصلاة من الطمأنينة و الهدوّ، و من وجود النعيم بها و اللذة.و لقد صدق فإنه يحشر كل على ما مات عليه،و يموت على ما عاش عليه،و يراعى في ذلك حال قلبه لا حال شخصه.فمن صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة ،و لا ينجو إلا من أتى اللّٰه بقلب سليم.نسأل اللّٰه حسن التوفيق بلطفه و كرمه