إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٧ - بيان المعاني الباطنة التي تتم بها حياة الصلاة
فلنقتصر على هذا القدر من البحث،فإن فيه مقنعا للمريد الطالب لطريق الآخرة و أما المجادل المشغب فلسنا نقصد مخاطبته الآن و حاصل الكلام أن حضور القلب هو روح الصلاة،و أن أقل ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التكبير فالنقصان منه هلاك،و بقدر الزيادة عليه تنبسط الروح في أجزاء الصلاة ،و كم من حي لا حراك به قريب من ميت.فصلاة الغافل في جميعها إلا عند التكبير كمثل حي لا حراك به.نسأل اللّٰه حسن العون
بيان المعاني الباطنة التي تتم بها حياة الصلاة
اعلم أن هذه المعاني تكثر العبارات عنها،و لكن يجمعها ست جمل،و هي:حضور القلب،و التفهم،و التعظيم،و الهيبة،و الرجاء،و الحياء.فلنذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها أما التفاصيل فالأول حضور القلب ،و نعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له و متكلم به،فيكون العلم بالفعل و القول مقرونا بهما،و لا يكون الفكر جائلا في غيرهما و مهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه و كان في قلبه ذكر لما هو فيه و لم يكن فيه غفلة عن كل شيء فقد حصل حضور القلب ،و لكن التفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ و لا يكون حاضرا مع معنى اللفظ،فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم.و هذا مقام يتفاوت الناس فيه،إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرءان و التسبيحات.و كم من معان لطيفة يفهمها المصلى في أثناء الصلاة و لم يكن قد خطر بقلبه ذلك قبله.و من هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء و المنكر ،فإنها تفهم أمورا تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة و أما التعظيم:فهو أمر وراء حضور القلب و الفهم،إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه و متفهم لمعناه و لا يكون معظما له،فالتعظيم زائد عليهما و أما الهيبة:فزائدة على التعظيم،بل هي عبارة عن خوف منشئه التعظيم،لأن من لا يخاف لا يسمى هائبا ،و المخافة من العقرب و سوء خلق العبد و ما يجرى مجراه من