فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٨ - الثقافة الفقهية العامّة في حلقات / ١ / التحرير
للإنسان وتكريم له وسوق له نحو الكمال في الدنيا والآخرة ، وحلٌّ لما يعترض طريقه في الحياة من مشكلات مختلفة ؛ نظير أمر الاُستاذ طلاّبه بحلّ مسألة علمية ، فهو لا يريد أن يثقل كاهلهم بمثل هذه التكاليف ، وإنّما الغرض هو إيصال الطلاّب إلى درجة الكمال العلمي ، وكذا الحال بالنسبة إلى التكليف الشرعي ؛ فإنّه يرمز إلى ما ميّز اللّه به الإنسان من عقل وقدرة على بناء نفسه والتحكّم في غرائزه ، وقابلية لتحمّل المسؤولية خلافا لغيره من أصناف الحيوانات ومختلف كائنات الأرض ، فإن أدّى الإنسان حقّ هذا التشريف وأطاع وامتثل شرّفه اللّه تعالى بعد ذلك بعظيم ثوابه وبملك لا يبلى ونعيم لا يفنى ، وإن قصّر في ذلك وعصى كان جديرا بعقاب اللّه سبحانه وسخطه ؛ لأنّه ظلم نفسه وجهل حقّ ربه ولم يقم بواجب الأمانة التي شرّفه اللّه بها وميّزه عن سائر مخلوقات الأرض ، قال تعالى : {إنّا عرضنا الأمانةَ على السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فأبَيْنَ أنْ يَحمِلْنها وأشْفَقنَ مِنها وَحَمَلها الإنسانُ إنّهُ كانَ ظلوما جهولاً } (١).
الشروط العامّة للتكليف :
إنّ فلسفة التكليف تقتضي أن تضع الشريعة للتكليف شروطا مناسبة ـ نظير ما هو متعارف في القوانين التي وضعها البشر ـ بعضها شروط خاصة تُذكر في مواردها ، وبعضها شروط عامة ، وهي كما يلي :
الشرط الأوّل: البلوغ فلا يتجه التكليف إلى الانسان ـ رجلاً كان أم امرأة ـ إلاّ إذا بلغ وكمل وتجاوز مرحلة الطفولة والصبا . وللبلوغ تقدير شرعي محدّد يأتي شرحه . فغير البالغ ليس بمكلّف ؛ ونعني بذلك أنّ جانب الالزام والمسؤولية الاخروية ـ العقاب في الآخرة ـ من أحكام اللّه تعالى لا يثبت بشأن الإنسان غير البالغ ، فلو أنّه فعل حراما كما إذا كذب ، أو أهمل واجبا كما إذا ترك الصلاة ، لا يعاقب يوم القيامة نظرا إلى وقوع ذلك منه قبل بلوغه .
(١) الأحزاب :٧٢.