فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨٣ - الآفاق التشريعية في القرآن الكريم / ٢ / الشيخ خالد الغفوري
٣ ـ قوله تعالى : {. . . أفتؤمنونَ ببعضِ الكتابِ وتكفرونَ ببعضٍ فما جزاءُ منْ يفعلُ ذلكَ منكم إلاّ خزيٌ في الحياةِ الدنيا ويومَ القيامةِ يردّونَ إلى أشدِّ العذابِ وما اللّهُ بغافلٍ عمّا تعملونَ } (٣).
الآية واردة في خطاب بني إسرائيل وذمّهم على تجزئتهم للدين ، فقد أخذوا بحكم الفدية فتراهم يمتثلون هذا الحكم في تخليص الأسرى من الأسر ، في حين أنهم تركوا حكم القتل والإخراج من الديار فارتكبوا ذلك مع علمهم بأنّه حرام عليهم ، وهنا يعترض القرآن عليهم ، إذ أيّ فرق بين الحكمين ؟ ! فما لكم تطيعون في بعض وتعصون في بعض آخر مع انّ كلا الحكمين واردان في الكتاب ؟ ! فكأنّكم تؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض . ومن الواضح أنّ أحكام اللّه لا تقبل التبعيض ، فإنّ ترك الأحكام كلاًّ أو بعضا معصية وسلوك غير منطقي وغير عقلائي ؛ فإنّ طاعة اللّه واجبة في كلّ حكم حكم ، ومعصية اللّه قبيحة مطلقا .
ويمكن أن يستفاد من هذه الكبرى لزوم الأخذ بالكتاب كلّه ، وهذه الاستفادة تامّة وصحيحة سواء قلنا إنّ القاعدة المذكورة قاعدة تأسيسية أو إمضاء لأمر عقلائي وعرفي أو إنّها إرشادية ، فعلى كلّ التقادير تكون هذه القاعدة مقبولة ومرضيّة بنظر القرآن .
ويلزم الأخذ بالقرآن كلّه دون تقطيع سواء كان من أجل فهم ومعرفة مراداته أو عند أخذ الأحكام منه ، فإنّ الأخذ بالعام وترك المخصّص والأخذ بالمطلق وترك المقيّد ، وكذا الأخذ بالمتشابهات وترك المحكمات أو العكس كلّ ذلك يعني تجزئة وتبعيض القرآن . ونضيف أيضا أنّ هذه المخصصات والمقيّدات حتى لو وردت في السنة فيجب الأخذ بها ؛ لأنّ الأخذ بها أخذ بالقرآن الذي أعطى للنبي دورا في هداية الناس إلى اللّه لا على نحو الشركة بل بنحو الطولية والرتبيّة .
(٣) البقرة :٨٥.