تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٤٦ - الفصل الرابع الوضع السياسي في عهد التابعين
ملايين المسلمين لينقذهم من سلطانه و سلطة ولاته الجائرين. و رأى نفسه بإزاء أمر لا مفر منه، و لا محيد عنه، فاستجاب لرغبة أهل العراق الملحة، و لكتبهم التي بلغت ألفا أو تزيد. و قبل ان يدخل الكوفة فوجئ بغدرهم، فلم يعد بإمكانه ان يرجع الى مدينة جده، أو يلتجئ الى بلد عربي آخر. و أصبح بين أمرين: إما ان يستسلم ليزيد و أتباعه، أو يقاتل القوم بتلك الحفنة القليلة من أصحابه و بنيه. اما الاستسلام، و من ورائه البيعة ليزيد، فقد أعلن رأيه فيها صريحا في الأيام الأولى لولاية يزيد بن معاوية، يوم استدعاه من أجلها حاكم المدينة ليلا، و في مناسبات اخرى، فكان المحتم ان يرفضها اليوم، كما رفضها بالأمس، مهما كان مصيره، ما دام في سبيل الحق و الإنسانية فمات هو و أصحابه ميتة الكرام، و لسانه يردد: «لا أرى الموت الا سعادة و الحياة مع الظالمين الا برما و شقاء». و ترك من ورائه دروسا في الإباء و التضحية و الثورة على الظلم و الظالمين و التفاني في سبيل العقيدة و المبدأ، لا تزال الأجيال تستلهم منها العزيمة و الإخلاص للحق و العقيدة، و الاستهانة بالحياة مع الظالمين. و ستبقى هذه الذكرى الخالدة من أروع ما يقدمه الإنسان في هذه الحياة للبشرية من أعمال و آثار و دروس.
هذه لمحة خاطفة عن الوضع السياسي بعد انتقال الخلافة الإسلامية إلى الأمويين. و قد أوجزنا فيها سيرتهم مع أهل البيت و شيعتهم و ما لا قوة من التعذيب و الاضطهاد، و الأسباب التي أبعدتهم عن حقهم الشرعي في الخلافة الإسلامية و كان مما لا بد لنا من ذلك، لنعرف مدى آثار هذا الوضع على حملة الفقه و الحديث، من رجال الشيعة و فقهائهم، ممن بقي من الصحابة و التابعين. و من ذلك نعرف ان الذي تصدوا للإفتاء و نقل الحديث من الشيعة في ذلك العصر، كانوا يحرصون ان لا