تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٧٩ - أدلة الأحكام في عهد التابعين
و الوقائع التي مرت في عصره تلك الموارد و الموضوعات التي اعطاها الرسول احكامها لم تكن في الغالب تشبه ما تجدد مع الزمن من أوضاع و حوادث اقتضتها طبيعة الحياة الجديدة التي استقبلها المسلمون بما فيها من عادات و اعراف تخصها.
و اقتضى ذلك ان تتضاعف جهود العلماء و المفتين في البحث عن النصوص الاسلامية و فهم المراد منها ليستطيعوا ربطها بتلك الكليات التي وردت في الكتاب و السنة و تطبيقها على الجزئيات التي تتجدد مع الزمن. و هذا ما لم تدع اليه الحاجة في عصر التشريع و ما بعده من عصر الصحابة، لعدم التبدل المحسوس في الأوضاع، في تلك الفترة من الزمن. و من اجل ذلك، كان لعصر التابعين ذلك الطابع الخاص، و اشتهر فيه العمل بالرأي و الاجتهاد بين الفقهاء، و على الأخص ما كان منهم خارج الحجاز، كالعراق مثلا، التي اشتهر فقاؤها بأهل الرأي [١].
و هذا النوع من الاجتهاد مما لا بد منه في مثل هذه الحالات، لأن الاسلام بطبيعته لا يحجز في الرأي على أحد، ما دام العلماء يسيرون في فلك القرآن و سنة الرسول، الذي لا ينطق عن الهوى.
على انه قد يتعسر احيانا على القضاة و الفقهاء، ربط بعض الحوادث بتلك القواعد العامة، التي وردت في الكتاب و السنة، او تطبيقها على الجزئيات المتجددة و في مثل ذلك لا مفر من الحكم بآرائهم، بعد الفحص و التحري عن الواقع، و قد اقر الرسول (ص) معاذا و امتدحه على قضائه في مثل هذه الحالات كما ذكرنا على تقدير صحة الحديث.
[١] تاريخ الفقه الاسلامي (ص ٢٨).