تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٠٨ - العقوبات التي نص عليها القرآن
في غير هذه المخالفات الى السلطان و ترك له ان يعمل بما توحيه اليه المصلحة لحمل الناس على الجادة القويمة و الطريق الواضح.
و قد كان للعرب قبل الإسلام نظام خاص في مقام القصاص، و في الغالب تتحمل قبيلة الجاني مسؤولية الجناية إذا كان المجني عليه شريفا في قومه و عشيرته، فينتج منها قتل العشرات و المئات و نهب الأموال و إباحة الأعراض. و لما جاء الإسلام أقر عقوبة القصاص و لكنه جعل المسؤولية فيها على الجاني وحده و لم يأخذ البريء بجرم السقيم، و جعل لولي الدم سلطانا في ذلك على ان يستعمل حقه ان شاء مع غريمه. قال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى [١] و قيل في سبب نزولها ان حيين من العرب لأحدهما قوة على الآخر أقسموا ان يقتلوا الحر بالعبد و الرجل بالمرأة و الرجلين بالرجل الواحد، فنزلت هذه الآية لتحد من كبريائهم و عنصريتهم، و في نفس الوقت تحفظ لأولياء المقتول حق المطالبة بدمه، فالحر بمثله و العبد بمثله و الأنثى بمثلها، و التجاوز عن هذا المبدأ عدوان لا يقره الإسلام.
أما في قتل الخطأ و شبهه فالذي فرضه الإسلام هو الدية، و لا قصاص فيه. و ولي المقتول في قتل العمد إذا عفا عن الدم و اختار الدية، فعلى القاتل ان يدفعها اليه. و قد أقر الإسلام نظام الديات عند العرب فجعل على من قتل مؤمنا خطأ عتق عبد مؤمن، و دية يسلمها إلى ورثة المقتول. أما إذا كان المقتول مؤمنا و أولياؤه على غير الإسلام، فليس على القاتل إلا العتق، لأن أولياءه لا يرثون منه شيئا. و قد نصت الاية الكريمة على ذلك. قال سبحانه:
[١] سورة البقرة آية ١٧٨.