تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٨٠ - أدلة الأحكام في عهد التابعين
و محهما كان الحال، فالاجتهاد الذي شاع بين فقهاء التابعين و امتازوا به عن فقهاء الصحابة، لم يكن خارجا عن فلك القرآن و السنة، و انما كان في فهمهما، و تطبيق الكليات على ما تجدد من الحوادث التي لم يكن شيء منها في الغالب يشبه ما كان في عصر التشريع و ما بعده من فجر عصر الصحابة و قد يتعداهما الى القياس و غيره.
و ليس السبب فيه ما يدعيه المستشرق (جولدشيهر) من ان الاسلام لم يأت الى العالم بطريقة كاملة، و ان القرآن نفسه لم يعط من الأحكام الا القليل، و لا يمكن ان تكون احكامه شاملة لهذه العلاقات غير المنتظرة كلها، مما جاء عن الفتوح، و انه كان مقصورا على حالات العرب الساذجة و معنياتها، بحيث لا يكفي لتلك الأوضاع الجديدة التي نجمت عن الفتوح [١].
و من ذلك ينتهي الى ان الاجتهاد كان مما لا بد منه. و على أساسه تطور الفقه، و شاع العمل بالرأي بين الفقهاء.
و لا بد لنا من الوقوف معه حول هذا الرأي و على الأخص عند قوله: احكام الاسلام كانت مقصورة على حالات العرب الساذجة.
فالناظر في أدلة التشريع، سواء في ذلك ما ورد منها في العبادات، أو المعاملات، أو الأحوال الشخصية و الجنائية و غيرها يرى القرآن لم يتوجه في تلك الخطابات الى طبقة خاصة، أو صنف من أصناف الانسان، في عصر من العصور؛ بل توجه بما فيه من تشريع و غيره الى العالم كله بطريقة كاملة. جمعت بين الدنيا و الدين، و هو كغيره من بقية القوانين، جاء بشكل نظام كلي شامل، و ترك التفاصيل للقائمين على
[١] تاريخ الفقه الاسلامي، عن كتاب العقيدة و الشريعة في الاسلام، للمستشرق المذكور.