تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢ - السيد هاشم معروف الحسني سيرة نقيّة، و فكر نقيّ
و نستطيع القول جازمين بأن هذه المميزات التي كانت تزداد ترسّخا في شخصية السيد هاشم، طول أعوام الدراسة في النجف الأشرف، هي أساس ما عرف به أيام طلب العلم هناك من مثابرة مدهشة على الدرس و المدارسة، و من انكباب نادر المثال على الكتاب لا تلهيه عنه مغريات المجالس العامرة، يعقدها أيام العطل الاسبوعية، زملاؤه و اصدقاؤه ترفيها لنفوسهم من عناء الدرس و التدريس. هذا لا يعني ان السيد هاشم كان زميتا، أو انطوائيا، أو متحرّجا من مجالس الانس البريئة، أو كان كزّ المزاج لا تطيب له مؤانسة الأصدقاء و الزّملاء. بل كان أمره على عكس ذلك: كان ألوفا سريع الألفة طيب المؤالفة، تطرب نفسه للقاء الأصدقاء، يهتزّ جسده كله سرورا و مرحا للفكاهة اللاذعة الناقدة و يضحك لها ملء صدره، بل كثيرا ما كان هو يبادر بها و يرسلها عفوية ضاحكة محببة. غير انه لم يدع لنفسه ان تسترسل في الاستمتاع بهذا كله، كيلا يطغى على استمتاعه الروحي بتحصيل المعرفة و العلم. لذا كان حريصا على ان يقيم التوازن بين هذا و ذاك في حياته اليومية، و كان ناجحا جدّا في إقامة هذا التوازن بالفعل.
السيد هاشم، طالب العلم، كان نموذجا محترما للطالب المنظّم التفكير و العمل. كان تنظيم عمله اليومي يتناسب مع نسق تفكيره الدقيق التنظيم.
فإنه بالرغم من تعدّد عمله اليومي، كميا و نوعيا، كان يبدو صافي الذهن، هادئ الأعصاب، متهلّل الوجه، فكأنه يعمل عملا واحدا سهلا. مرجع هذه الظاهرة فيه هو قدرته الفائقة على تنظيم فكره و عمله. هذه القدرة كانت له عونا على إنجاز اعماله اليومية كاملة و متقنة دون أن ترهقه ذهنيا و لا جسديا.
بهذا القدر من حسن تصريفه الأمور كانت له الطاقة المدهشة في أن يحضر في اليوم الواحد أكثر من حلقة دراسية، و أكثر من حلقة مذاكرة، و أن يمارس التدريس لأكثر من حلقة و كتاب. غير أن الأهم من كل ذلك انه كان يتعامل مع زملائه و تلامذته كأنه هو المستفيد دائما منهم في حين كان هو يفيد أكثر مما يستفيد. من هنا كان السيد هاشم نموذجا في التواضع بقدر ما كان نموذجا في تنظيم عمله و تفكيره.