تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٧٧ - أدلة الأحكام في عهد التابعين
الأحكام، لأن الاستحسان هو العدول عن قياس الى آخر اقوى منه [١].
و المصالح المرسلة التي يعبر عنها الغزالي بالاستصلاح، هي المصلحة التي لم يشرع الشارع حكما على طبقها و لم يدل دليل شرعي على اعتبارها او إلغائها [٢]. و لا يجوز الاعتماد عليهما في الأحكام عند القائلين بهما، الا مع فقد النص، من كتاب او سنة.
و من الصعب ان نجد لهذا النوع من الاجتهاد ما يبرره، بعد توفر الأدلة من الكتاب و السنة: أما بنصوصيتها، او بإطلاقها و عمومها.
و أما الاجتهاد الذي لا بد منه، بعد أن كانت الحوادث غير متناهية، فمن موارده ما إذا كان النصوص الواردة في الوقائع المختلفة ظنية الدلالة على نحو يكون المراد مرددا بين امرين او امور، و كلها لا تتنافى و اغراض المشرع. ففي مثل ذلك لا بد من الاجتهاد لتعيين مراد المتكلم. و لكنه اجتهاد في حدود فهم المراد من النص و ترجيح احد معنييه او معانيه. و على المجتهد في مثل هذه الحالة، ان يبذل جهده في هذا الترجيح بالرجوع الى الأصول اللغوية و القواعد المجعولة لتعيين المراد من ظواهر الكلام. أما الواقعة التي لا يشملها النص بعمومه او بإطلاقه و لم ينعقد عليها إجماع الفقهاء، فلا بد فيها من الاجتهاد بالرأي في مقام الإفتاء و القضاء، و ذلك بالرجوع الى القواعد العامة و الأصول التي لا بد من الرجوع اليها في مثل ذلك، شرعية كانت أو عقلية.
و هذا النوع من القضاء و الافتاء بالرأي، هو الذي أقره الرسول في حديث معاذ بن جبل، و امتدحه عليه، و حمد اللّه الذي وفق رسول رسوله لما
[١] ملخص إبطال القياس و الاستحسان لابن حزم (ص ٥٠).
[٢] مقدمة النص و الاجتهاد للسيد محمد تقي الحكيم، أستاذ أصول الفقه في كلية منتدى النشر، نقلا عن خلاصة التشريع الإسلامي و علم أصول الفقه.