تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١١٧ - الفصل الثاني في الوضع السياسي بعد وفاة الرسول
و هو كالمدهوش، حينما سمع نبأ وفاة الرسول (ص) يقول: إن محمدا لم يمت و سيرجع ليقطع ايدي اناس و ارجلهم، و بقي ساعة يهدد بهذه الكلمات حتى تلا عليه بعض المسلمين: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ.
كل ذلك لم يفكروا فيه و لم ينظروا الى الأحداث المنتظرة ممن دخلوا في الإسلام، و لما يستحكم في نفوسهم، لا سيما اذا استحكم الخلاف بين صحابة الرسول على الخلافة.
و لكن عليا (ع) الحريص على رسالة الاسلام و مقدساته، يرى أن مصلحة الاسلام قبل كل شيء. و إذا كان يطالب بحقه الشرعي فذاك لكي يعمل على بعث الدين و نشر تعاليمه و تطبيق مبادئه و غرسها في النفوس، و الخلافة لا تساوي في حسابه شيئا اذا لم تؤد الى هذه الغاية.
و لقد قال لابن عمه عبد اللَّه بن عباس، و هو يخصف نعله: إن إمرتكم لأهون من هذه النعل إلا أن احق حقا و أبطل باطلا.
و بعد أن توالت الأحداث و انتشرت دعوة المرتدين و المتنبئين، و الدين جديد لم يكن له تلك القداسة عند الكثير من الاعراب و سكان البادية، لا سيما و قد بلغهم ما حدث من نزاع على الخلافة في حاضرة الإسلام بين المهاجرين و الأنصار و الهاشميين، مما أدى الى نشاط حركة الردة عند بعض القبائل العربية. لهذه الأخطار التي احدقت بالاسلام، و هو لا يزال في فجره الأول، آثر علي (ع) أن يتغاضى عن حقه، و يعمل معهم صفا واحدا لدفع تلك الأخطار المخيفة، بعد أن صارح القوم بما في نفسه بلا مواربة و لا اخفاء، فقال مخاطبا لأبي بكر: لم يمنعنا عن بيعتك انا ننافسك على خير ساقه اللَّه اليك، و لكنا نرى ان هذا الأمر هو حقنا، و قد استبددتم به علينا، و قال في موقف آخر:
أما و اللَّه لقد تقمصها ابن أبي قحافة، و انه ليعلم أن محلي منها محل القطب