تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٨٤ - أدلة الأحكام في عهد التابعين
و كان لتلك البلاد التي خضعت لعلم الإسلام حظ من العلم و الحضارة، بينما كانت الأمية تغلب على العرب. و لذلك غلب على جماعة من الصحابة وصف (القراء)، لأنهم كانوا يقرأون القرآن، و يكتبون بين أمه أمية، لا تقرأ و لا تكتب.
و نتج من اتساع الإسلام و انتقال الفقه الى التابعين، من العرب و غيرهم، الذين انتشروا في البلاد، لتعليم الأحكام، و ألفوا حياتها و أساليبها، في البحث و المحاكمة بين محتملات الأدلة، ان نهجوا منهجا جديدا في التوصل إلى الأحكام، فبحثوا عن العلل و الأسباب و المصالح و المفاسد، بطريقة لم تكن معروفة في زمن الصحابة، و لم تدع الحاجة إليها. و قد أدى هذا الأسلوب إلى اختلاف آرائهم في الفقه، و كثر الخلاف بينهم في الفروع، فكان ذلك من أسباب اشتهارهم بالرأي، بينما اشتهر فقهاء الحجاز بالحديث، لأن الجو الذي عاشوا فيه، لم يفرض عليهم أن ينهجوا في البحث عن النصوص طريق التابعين. كما و أن قربهم من عصر الرسول و اشتهار أحاديثه بينهم و معرفتهم الكاملة بأحوال رواتها عنه، سهل لهم معرفة الصحيح و استفادة الأحكام منها.
و فيما سبق أشرنا الى أن الرأي الذي شاع في عصر التابعين ليس هو غير الإفتاء بما يراه الفقيه، بعد اليأس عن الدليل، من كتاب أو سنة صحيحة، و هو الذي أقرّه الرسول (ص) في حديث معاذ بن جبل و امتدحه عليه. و هذا غير القياس، الذي وضع نواته عمر بن الخطاب، في وثيقته الى أبي موسى الأشعري، و اشتهر به الأحناف و أيده المالكية و غيرهم. و لا نعني بذلك أنه لم يكن بين فقهاء التابعين من يتخذ القياس دليلا في الأحكام، و انما المقصود ان العمل بالرأي أحيانا إذا تعذر على الفقيه أخذ الحكم من الكتاب و السنة، قد أقرّه