تاريخ الفقه الجعفري - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٦٥ - الدفاع عن النفس و الدين بنظر القرآن
عليه، فنام ليلته غير هياب من سيوف قريش المسلولة و رماحها المشرعة مستهينا بنفسه ليسلم سيده القائد الحكيم. لقد أقدم علي (ع) على الموت و هو يراه بعينه و لم يتجاوز العشرين عاما من عمره، يستقبل حياة حافلة بالأماني و الأحلام، و لكنه في تلك اللحظة يستقبل الموت الذي هو أعز أمانيه و أحلامه السعيدة في تلك الساعات التي يراها من أحرج ساعات الحياة. إنه لا يتصور إلا سلامة محمد (ص) و نجاته من أعدائه ليؤدي رسالة ربه كاملة غير منقوصة و ينشر بين مئات الملايين من البشر تلك المبادئ التي تأمر بالعدل و الإحسان و المساواة، و تنهى عن الفحشاء و المنكر و البغي. و هذه كل آماله و احلامه يوم كان طفلا و شابا و كهلا و يوم حاربه ابن هند و الزبير و طلحة و يوم تجمعت قوى البغي ضده و يوم قال: و الله لو أعطيت الأقانيم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت. لقد هيأ اللَّه سبحانه عليا (ع) ليفدي محمدا و دعوته بنفسه، و هيأ من بين العرب أهل يثرب، فرحبوا بمحمد و دعوته و آمنوا بها و بايعوه على أن يمنعوا عنه كيد قريش و غدرها و يبذلوا في سبيله الغالي و الرخيص، و في المدينة، نزلت الآيات التي أباحت له القتال دفاعا عن النفس و عن تلك الدعوة المباركة و أول الآيات التي شرعت الجهاد قوله سبحانه: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [١] و قد استمر المشركون على إيذاء المسلمين و التنكيل بهم، فكانوا يأتون الرسول ما بين مضروب و مشجوج و لكنه كان يأمرهم بالصبر لأنه لم يؤمر بقتالهم، و لما هاجر نزلت عليه هذه الآية، و هي كالصريحة في أنه سبحانه انما أذن لهم بقتال المشركين لدفع الظلم و العدوان، لأنهم أخرجوهم من ديارهم بلا
[١] سورة الحج الآية ٣٩.