بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٨٣ - المقدمة الثالثة و هي أنّه لا يجوز إهمال التكاليف الواقعية
و أمّا حجيته بناء على الكشف فلو فرض أنّه قام إجماع أو يقين بأنّ الشارع لا يبني أحكامه على الاحتياطات العقلية، و إنما هو يتصرف و يجعل كاشفاً و مبيناً لأحكامه في كل مرتبة و في كل عصر بنحو مناسب، حينئذٍ نقول: إنّه لا طريق واصل في المقام من هذه الطرق المعروفة، و البراءة الشرعية ليست من الطرق الواصلة حيث إنّها سقطت، و حينئذٍ نستكشف في طول سقوط البراءة أنّ الشارع جعل طريقاً آخر، و بعد السبر و التقسيم يتعيّن الطريق الآخر في الظن، إذاً حجية الظن على الكف أيضاً لم تكن في طول منجزية الاحتمال ليلزم محذور كون المنجز في طول تنجزه نريد أن ننجزه ثانية و إذا صار الظن حجة على الحكومة بحكم العقل، حينئذٍ لعلّه ينحل العلم الإجمالي و تجري البراءة العقلية في غير المظنونات من الأطراف الأخرى، و إنّما لم تعد قاعدة قبح العقاب بلا بيان جارية في المظنونات، لأنّ موضوعها ارتفع ببيانية الظن على الحكومة، إذاً فتبقى قاعدة قبح العقاب بلا بيان جارية في غير المظنونات بلا معارض.
و الخلاصة هي أنّ ما ذهب إليه المحقق العراقي من استحالة تنجز الشبهة بالظن ثانية بعد أن تنجزت بالعلم الإجمالي غير صحيح، فإنّ العلم الإجمالي إنّما ينجز حرمة المخالفة القطعية دون الأطراف ابتداء، و معه تتعارض الأصول الشرعية المؤمنة في الأطراف، و حينئذٍ يبقى الاحتمال بدون مؤمن شرعي أو عقلي، و معه يصبح منجزاً، و من الواضح أنّ الظن أيضاً يمكن أن يكون منجزاً إمّا شرعاً بناء على الكشف كما عرفت، أو عقلًا بناء على الحكومة من دون أن تكون منجزيته في طول منجزية الاحتمال ليقال: إنّه من تنجز المتنجز.
نعم: كل ما هنالك هو أنّ منجزيّة الظن على الحكومة مبني على سقوط البراءة الشرعية فقط دون العقلية لكونها كما عرفت تخصيص