بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨ - حجية الخبر
و هذه الاختيارات تكون أكثر سداداً عند ما يبحث التواتر و يتكلم عن أسبابه، و سرعة حصول اليقين و بطئه، لكي لا تبقى المسألة مجرد اصطلاح، فمن هنا نسوق الكلام أولًا في المتواتر.
فقد عرّفت القضية المتواترة في المنطق [١]، بأنها اجتماع عدد كبير من المخبرين على قضية، على نحو يمتنع تواطؤهم على الكذب، و هذا الكلام يرجع في تحليله إلى أنّ القضية المتواترة، دليليّتها تنحل إلى مقدمتين، صغرى، و كبرى.
و الصغرى هي، أنه قد اجتمع عدد كبير على الإخبار عن وجود حادثة (ما) كموت زيد.
و الكبرى هي، حكم العقل بأنه يمتنع اجتماع هذا العدد الكبير، كالألف مثلًا، و تواطؤهم على الكذب. فإذا طبقت الكبرى على الصغرى أنتج حينئذٍ أنّ هذه الحادثة ثابتة و صحيحة.
و منطق أرسطو يفترض أنّ المقدمة الثانية عقلية و ليست مستمدة من المشاهدات و التجارب الخارجية، بل هي مما يستقل بها العقل كاستقلاله بقانونية استحالة اجتماع الضدين، و من هنا جعلوا القضية المتواترة إحدى القضايا الأولية الست في كتاب البرهان، باعتبار أنّ كبراها قضية عقلية أولية، و إلّا فنفس القضية المتواترة و هي (موت زيد) بحسب تحليل المنطق، قضية مستدلة بقياس فيه كبرى، و صغرى، فالمقدمة الأولى صغرى، و الثانية كبرى، و موت (زيد) نتيجة، إذاً، فالقضية المتواترة ليست أولية، بل هي قضية مستدلة، و إنما
[١] () منطق الشفاء: ابن سينا ج ٣ ص ٦٤ ط مصر. الإشارات و التنبيهات: ج ١ النهج السادس ص ٢١٢ و ما بعده. منظومة السبزواري: ج ١ ص ٣٢٧ ٣٢٦.