بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٢٣
و أمّا على مسلك التبعيض في الاحتياط، فقد فرض أنّ الأصول تتعارض و تتساقط فلم يبق هناك مؤمن فيجب الاحتياط في تمام المراتب، و لا يجوز رفع اليد عن الاحتياط إلّا بمقدار ما يرتفع به العسر و الحرج، فإذا ارتفع ذلك بترك الموهومات وجب الاقتصار على ذلك، و إلّا احتاط بالمشكوكات فضلًا عن المظنونات.
و أمّا على المسلك الثالث: مسلك الكف، فقد تقدّم أنّنا نستكشف حجية الظن بلحاظ الإجماع القائم على أنّ الشريعة الإسلامية لم تبنِ أحكامها على الاحتياط، بل هناك حجة قد جعلها الشارع في كل حالة من أحوال المكلف حتى في حال الانسداد، و في مقام تعيين هذه الحجة حيث لا طريق لنا إلّا السبر و التقسيم و المناسبة و المقارنة، يكون الظن هو المتيقن في مقابل الوهم، إذ لا يحتمل أن يجعل الوهم حجة في مقابل الظن، إذاً فالقدر المتيقن هو الظن، فإذا وجد داخل الظن قدر متيقن اقتصر عليه، و إلّا أخذ بحجية الظن مطلقاً، و هذا كله، لأنّه من الواضح أنّ الشارع إذا جعل شيئاً ما حجة فلا بدّ أن يكون بنحو يصل إلينا، و إلّا لكان في حال عدم وصوله قد بنيت الشريعة على الاحتياط، و هذا خلاف الإجماع، و لا منشأ لوصوله إلّا بالأخذ بالقدر المتيقن بعد السبر و التقسيم.
إذاً فهذه المقدمة الخامسة تامة على المسالك الثلاثة مع اختلاف في المغزى و المبنى، و بهذا يتم الكلام في المقدمات الخمس.
و يستخلص مما سبق نكتتان.
النكتة الأولى: يحتاجها مسلك الكشف، و هي، مفاد الإجماع، الذي قلنا: بأنّ محصله: هو أنّ امتثال تكاليف الله تعالى و التعرض لتطبيقها لم يبن على الاحتياط.