الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٠ - تأويل آية
و قد ذهب إلى هذا الوجه جماعة من المفسرين كابن عباس و قتادة و الضحّاك/و غيرهم.
و روى بشر بن عمارة عن أبى روق عن الضّحاك عن ابن عباس قال: الذين شقوا ليس فيهم كافر؛ و إنما هم قوم من أهل التوحيد، يدخلون النار بذنوبهم، ثم يتفضّل اللّه تعالى عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنة، فيكونون أشقياء فى حال، سعداء فى حال أخرى.
و أما تعليق الخلود بدوام السموات و الأرض؛ فقد قيل فيه: إن ذلك لم يجعل شرطا فى الدوام؛ و إنما علّق به على طريق التبعيد و تأكيد الدوام؛ لأن للعرب فى مثل هذا عادة معروفة خاطبهم اللّه تعالى عليها؛ لأنهم يقولون: لا أفعل كذا ما لاح كوكب، و ما أضاء الفجر، و ما اختلف الليل و النهار، و ما بلّ بحر صوفة، و ما تغنّت حمامة، و نحو ذلك، و مرادهم التأبيد و الدوام.
و يجرى كل ما ذكرناه مجرى قولهم: لا أفعل كذا أبدا؛ لأنهم يعتقدون فى جميع ما ذكرناه أنه لا يزول و لا يتغير؛ و عباراتهم إنما يخرجونها بحسب اعتقاداتهم، لا بحسب ما عليه الشيء فى نفسه؛ أ لا ترى أن بعضهم لما اعتقد فى الأصنام أن العبادة تحقّ لها سمّاها آلهة بحسب اعتقادهم، و إن لم تكن فى الحقيقة كذلك!
و مما يشهد لمذهبهم الّذي حكيناه قول أبى الجويرية العبدىّ:
ذهب الجود و الجنيد جميعا # فعلى الجود و الجنيد السلام [١]
أصبحا ثاويين فى قعر مرت [٢] # ما تغنّت على الغصون الحمام
و قال الأعشى:
[١] معجم الشعراء للمرزبانى ٢٥٨، و المختلف و المؤتلف للآمدى ٧٩؛ و ذكر بعدها بيتا ثالثا:
لم تزل غاية الكرام فلمّا # متّ مات الندى و مات الكرام
و هو الجنيد بن عبد الرحمن المرى، كان والى خراسان.
[٢] المرت: القفر من الأرض؛ و فى المؤتلف:
«بطن مرو» . و فى ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «قعر مرو» .