الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٠ - مسألة
مسألة
و سأل غير الأول من الإخوان عن قوله تعالى فى سورة يس: لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ ؛ [يس: ٦].
قال:
إذا كانت آباؤهم لم ينذروا فبأىّ شيء يحتجّ عليهم!و كيف يعاقبهم على عبادة الأصنام و قد قال تعالى: وَ مََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولاً ؛ [الإسراء: ١٥]!و كيف يصحّ أن تخلو أمة من الأمم من نذير، مع قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]؛ و قوله تعالى: وَ مََا أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ لَهََا مُنْذِرُونَ [الشعراء: ٢٠٨] و قد علم أنّهم كانوا أمما لا يحصيها كثرة غيره تعالى، و قرى كثيرة؛ فكيف هذا! و أىّ شيء المراد به و معلوم أنّ كلامه تعالى لا يتناقض!
قال: فإن قال: إن «ما» التى فى الأمة المتقدمة ليست للنفى بل هى للإثبات، و المعنى فيها: مثل ما أنذر آباؤهم، أو بمعنى الّذي أنذر آباؤهم، أو زائدة؛ لأن الكلام يتم من دونها؛ لتنذر قوما أنذر آباؤهم.
قال: و الجواب عن ذلك أنّ هذا تأويل يفسد، من قبل أنّ المعلوم الّذي لا شك فيه و لا إشكال أنّ اللّه تعالى لم يبعث نبيّا بعد عيسى عليه السلام إلا المبعوث على فترة من الرسل صلى اللّه عليه؛ لأجل ذلك وصفهم بالغفلة لمّا لم ينذر آباؤهم؛ فثبت بهذا أن «ما» التى فى الآية المتقدمة للنفى دون الإثبات، و أن الأخذ بالمعلوم أولى من المظنون.
قال: فإن قيل إن عيسى عليه السلام قد كان بعث إليهم، و شاعت شريعته فيهم، و انتشرت كلمته، و سار الحواريون بدعوته شرقا و غربا، سهلا و جبلا.
قال: فالجواب عن ذلك إذا سلّمنا أن عيسى عليه السلام بعث إليهم فإنّ الفترة إنما كانت بينه و بين محمد صلى اللّه عليه و آله، و أن الحواريين لم يمكثوا بعده إلا قليلا، و أنّ الآباء المذكورين بأنهم لم ينذروا هم الأدنون دون الأبعدين.