الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٤٥ - تأويل آية
و يزرى عليها؛ و العرب قد تقيم الشيء مقام ما قاربه فى معناه، فتجرى اسمه عليه؛ قال الشاعر:
كم أناس فى نعيم عمّروا # فى ذرى ملك تعالى فبسق
سكت الدّهر زمانا عنهم # ثمّ أبكاهم دما حين نطق
و السكوت و النطق على الحقيقة لا يجوزان على الدهر؛ و إنما شبّه تركه الحال على ما هى [١] /عليه بالسكوت، و شبه تغييره لها بالنطق. و أنشد الفراء:
إنّ دهرا يلفّ شملى بجمل # لزمان يهمّ بالإحسان
و مثل ذلك فى الاستعارة لتقارب المعنى قوله:
سألتنى بأناس هلكوا # شرب الدّهر عليهم و أكل [٢]
و إنما أراد بالأكل و الشرب الإفساد لهم، و التغيير لأحوالهم، و منه قول الآخر:
يقرّ بعينى أن أرى باب دارها # و إن كان باب الدّار يحسبنى جلدا
و الجواب الثانى أن يكون معنى الاستهزاء المضاف إليه عز و جلّ أن يستدرجهم و يهلكهم من حيث لا يعلمون و لا يشعرون.
و يروى عن ابن عباس أنه قال فى معنى استدراجه إياهم: إنهم كلّما أحدثوا خطيئة جدّد لهم نعمة؛ و إنما سمّى هذا الفعل استهزاء من حيث غيّب عنهم من الاستدراج إلى الهلاك غير ما أظهر لهم من النعم؛ كما أن المستهزئ منّا، المخادع لغيره يظهر أمرا؛ و يضمر غيره.
فإن قيل: على هذا الجواب فالمسألة قائمة، و أىّ وجه لأن يستدرجهم بالنعمة إلى الهلاك؟
قلنا: ليس الهلاك هاهنا هو الكفر، و ما أشبهه من المعاصى التى يستحقّ بها العقاب؛ و إنما يستدرجهم إلى الضرر و العقاب الّذي استحقوه بما تقدّم من كفرهم؛ و للّه تعالى أن يعاقب
[١] حاشية الأصل (من نسخة) : ما هو عليه» .
[٢] اللسان (أكل) ، و نسبه إلى النابغة الجعدىّ. و من نسخة بحاشية الأصل، ف: «سألتنى عن أناس» .