الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢١ - مسألة
و لقائل أن يقول: إن عيسى عليه السلام لم يبعث إلا إلى بنى إسرائيل خاصة دون العرب؛ و بذلك نطق القرآن. و له أن يقول: إن الآباء الأبعدين و الأدنين فى الآية سواء. و الّذي يؤيد ذلك قوله تعالى: قَدْ جََاءَكُمْ رَسُولُنََا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلىََ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ... ؛ [المائدة: ١٩]؛ الآية [١] إلى آخرها، و قد صحّ بالجملة و التفصيل أنّ الآباء لم ينذروا، و أن «ما» للنفى فى موضعها من الآية دون الإثبات؛ فكيف القول فى الحجة عليهم؟و لا يحتج محتج بأن العقل هو الحجة عليهم دون الإنذار و الرسل؛ لأن العقل حجّة على من أنذر و على من لم ينذر؛ و عليه معوّل الفلاسفة فى الاستغناء عن الرسل و الأنبياء عليهم السلام.
***
الجواب عن المسألة أن الأولى [٢] : أن يكون اسم اللّه تعالى الأعظم خارجا عن هذه الأسماء و الصفات التى فى أيدى الناس يناجون اللّه تعالى بها، و يدعونه و يسألونه؛ لأنّ ذلك الاسم لو كان من جملتها-و قد أجمعوا على أنّ اللّه تعالى لم يسأل به شيئا إلا أعطاه-لكان يجب فى كل داع بهذه الأسماء و الصفات إذا كان الاسم من جملتها أن تجاب دعوته، و تنجح مسألته، و قد علمنا خلاف ذلك، و أنّ أكثر الداعين بهذه الأسماء المسطورة غير مجابين؛ فعلمنا أنّ «الأعظم» ليس من جملتها.
فإذا قيل لنا: فلم خصّ اللّه تعالى بهذا الاسم قوما دون قوم، و لم يجره مجرى سائر أسمائه؟ فالجواب أنه تابع للمصلحة، و إذا كان المعلوم أن كلّ سائل بذلك الاسم مجاب لا محالة، فمن علم أنّ فى إجابته مفسدة لا يجوز أن يمكّن من ذلك الاسم.
فإذا قيل: فينبغى لمن يسأله تعالى، و قال: بحقّ اسمك الأعظم، اعطنى كذا أن يجاب لا محالة؛ و قد علمنا خلاف ذلك؟فالجواب أنه غير ممتنع أن تكون الإجابة إنما تكون واجبة عند التصريح و التلفّظ بهذا الاسم دون الكناية عنه.
[١] بقية الآية: أَنْ تَقُولُوا مََا جََاءَنََا مِنْ بَشِيرٍ وَ لاََ نَذِيرٍ فَقَدْ جََاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اَللََّهُ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
[٢] انظر ص ٣١٩ من هذا الجزء.