الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٧ - مسألة
قلنا: نحن نجوّز ذلك، و لا نمنع أن تختلف العادة فيه؛ كما لا نمنع أن يستمرّ فى كلّ بلد؛ و عند كل أحد، و لا يخرج هذا الحكم مع استمراره من أن يكون مستندا إلى العادة؛ أ لا ترى أنّ القاطعين على وقوع العلم الضرورى بمخبر الأخبار إذا كان العدد زائدا على أربعة مع استيفاء باقى الشروط لا يجوّزون أن تختلف العادات فى ذلك؛ بل يقطعون على أنّ العادة مستمرة بذلك فى كل موضع.
فإذا قيل له: كيف يتميّز ذلك و هو معتاد مع الاستمرار من الوجوب؟
قال: فإن المستند إلى العادة لا بدّ من أن يختلف على بعض الوجوه؛ ليفارق بذلك الاختلاف الواجب؛ و يتميّز عنه. و الخبر الّذي يجب عنده حصول العلم الضرورىّ قد يقع مثله و من جنسه؛ مع اختلاف بعض هذه الشروط؛ فلا يجب العلم. فلو كان هناك إيجاب لوجب العلم على كل حال، و هذا بعينه قائم فى السحّارة؛ لأنّ الثقوب لو وسّعت لسال الماء على كل حال، و لو كانت هناك طبيعة موجبة لوقوف الماء لم تختلف الحال على بعض الوجوه.
و بعد، فإن علّة أبى هاشم فى وقوف الماء من السحارة عن السيلان-و إن كنّا قد بيّنا بطلانها-لا نجدها فى القدح المعروف بقدح العدل؛ و هو قدح فى وسطه بربخ [١] مجوّف يبلغ ارتفاعا إلى قريب من أعلاه، و هذا البربخ [١] نافذ من جهة أسفله، و على رأس هذا البربخ فى وسط القدح كالغشاء يحيط به من جوانبه على تجاف عنه؛ و هو من أعلاه مسدود، و من أسفله مفروج، فإذا طرحنا فى هذا القدح ماء فهو ثابت؛ حتى يبلغ إلى محاذاة رأس البربخ، فإذا زاد عليها و لو باليسير خرج جميع الماء من القدح بأن يصعد من أسفل القدح إلى رأس البربخ حتى ينزل جميعه.
و أصحاب الملاء يدّعون أن العلّة فى صعود الماء إلى فوق رأس ذلك من شأنه هو اضطرار الخلاء؛ و حتى لا يخلو مكان من متمكّن فيه، فما العلّة فى صعود الماء ثم هبوطه على مذهب أبى هاشم؟و ما يعلّل فى السحارة لا يتأتى هاهنا؛ و ليس بعد ذلك إلا إسناده إلى العادة، و جريها.
و اللّه ولىّ التوفيق.
[١] البربخ: منفذ الماء و مجراه.