الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٢ - مسألة
و يمكن فى الآية وجه آخر؛ ما رأينا أحدا من المفسرين سبق إليه؛ و هو إن لم يزد فى القوة على ما ذكروه لم ينقص عنه؛ و هو أن يكون المراد بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أى اجتهدوا فى التوبة ممّا أقدمتم عليه، و الندم على ما فات، و إدخال المشاقّ الشديدة عليكم فى ذلك؛ حتى تكادوا أن تكونوا قتلتم أنفسكم؛ و قد يسمّى من فعل ما يقارب الشيء باسم فاعله. و مذهب أهل اللغة فى ذلك معروف مشهور؛ يقولون: ضرب فلان عبده حتى قتله، و فلان قتله العشق، و أخرج نفسه، و أبطل روحه، و ما جرى مجرى ذلك؛ و إنما يريدون المقاربة و المشارفة و المبالغة فى وصف التناهى و الشدة؛ فلما أراد تعالى أن يأمرهم بالتناهى و المبالغة فى النّدم على ما فات، و بلوغ الغاية القصوى فيه جاز أن يقول: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ .
فإذا قيل طعنا على هذا الجواب: إنما تسمّى مقاربة القتل قتلا مجازا و توسّعا، و حمل الكلام على حقيقته أولى!
الجواب، أن الوجهين اللذين ذكرهما المفسرون فى هذه الآية من قتل بعضهم بعضا، و الاستسلام للقتل مبنيان أيضا على المجاز؛ و ظاهر التنزيل بخلافهما؛ لأن الاستسلام للقتل ليس بقتل على الحقيقة؛ و إنما سمى باسمه من حيث يؤدّى إليه، و كذلك قتل بعضهم بعضا مجاز؛ لأن القاتل غير المقتول؛ و ظاهر الآية يقتضي أن القاتل هو المقتول.
و أما استشهادهم فى تقوية هذا الوجه بقوله: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعنى إخوانكم فلا يغنى شيئا؛ لأنّ ذلك مجاز لا محالة؛ و إنما حمل على الإخوان بدليل. و الظاهر أن يكون تكليفا لقتل الواحد نفسه، و سلامة على نفسه.
فإن قيل: كيف يجوز أن يستحقّ القتل بعد التوبة من الوجوه التى بها استحق القتل؟
قلنا: غير ممتنع أن يكلّفنا اللّه تعالى-بعد التوبة من الكفر-القتل امتحانا؛ لا على سبيل العقوبة.
فإن قيل: كيف يصح أن تكون التوبة نفسها قتل أنفسهم؛ و التوبة هى الندم و العزم، و هما غير القتل!