الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٨٩ - تأويل آية
ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظ «لا» ؛ كما قال سبحانه: فَلاََ صَدَّقَ وَ لاََ صَلََّى ؛ [القيامة: ٣١] أى لم يصدّق و لم يصلّ، و كما قال الحطيئة:
و إن كانت النّعماء فيهم جزوا بها # و إن أنعموا، لا كدّروها و لا كدّوا [١]
و قلّما يستعمل هذا المعنى من غير تكرير لفظ؛ لأنهم لا يقولون: لا جئتنى و زرتنى؛ يريدون: ما جئتنى؛ فإن قالوا: لا جئتنى و لا زرتنى صلح؛ إلا أن فى الآية ما ينوب مناب التكرار و يغنى عنه، و هو قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا ؛ فكأنه قال: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ ، و لا آمن؛ فمعنى التكرار حاصل.
و الوجه الآخر: أن تكون «لا» جارية مجرى الدعاء؛ كقولك: لا نجا و لا سلم، و نحو ذلك.
و قال قوم: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ أى فهلاّ اقتحم العقبة!أو أ فلا اقتحم العقبة!قالوا:
و يدل على ذلك قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ ، و لو كان أراد النفى لم يتصل الكلام.
و هذا الوجه ضعيف جدا، لأن قوله تعالى: فَلاَ خال من لفظ الاستفهام، و قبيح حذف حرف الاستفهام فى مثل هذا الموضع، و قد عيب على عمر بن أبى ربيعة قوله:
ثمّ قالوا: تحبّها؟قلت: بهرا # عدد القطر و الحصى و التراب [٢]
فأما الترجيح بأن الكلام لو أريد به النفى لم يتصل فقد بيّنا أنه متصل، مع أنّ المراد به النفى؛ لأن قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا معطوف على قوله: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ ، أى فلا اقتحم العقبة، ثم كان من الذين آمنوا. و المعنى أنه ما اقتحم العقبة و لا آمن؛ على ما بينا.
فأما المراد بالعقبة فاختلف فيه، فقال قوم: هى عقبة ملساء فى جهنم، و اقتحامها فكّ رقبة.
و روى عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه قال: «إن أمامكم عقبة كئودا لا يجوزها المثقلون [٣] ، و أنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة» : و روى عن ابن عباس أنه قال: هى عقبة كئود فى
[١] ديوانه: ٢٠.
[٢] ديوانه: ٤٢٣ (مطبعة السعادة) ، و فى حاشية الأصل (من نسخة) :
«عدد الرمل» .
[٣] حاشية الأصل: «المثقلون[بالفتح]أى أثقلهم الذنوب، و المثقلون[بالكسر] أصحاب الأثقال» .