الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٦ - تأويل آية
و ليس يعترض على هذه التأويلات التى ذكرناها ما يظنّه بعض الناس من أنه لا يجوز أن يكون فى السماء جبال برد، أو ما قدره قدر الجبال من البرد؛ لأن ذلك غير ممتنع و لا مستحيل.
فإن قالوا: كيف لا تهوى تلك الجبال من البرد؟
قلنا: يمسكها اللّه تعالى، و يسكّنها كما يمسك الأرض و الفلك.
و إنما ينكر هذا أصحاب الطبائع، الذين لا يقرّون بالخالق جلّت عظمته، فيذكرون فى سبب وقوف الأرض المركز و هو لا يعقل؛ و لو أثبتوا الصانع جلّت عظمته نسبوا سكون الأرض إليه، و استغنوا عن تكلّف ما لا يعقل و لا يفهم.
و الأولى فى تفسير هذا الموضع أن تكون «من» الأولى و الثانية لابتداء الغاية، و الثالثة زائدة لا حكم لها؛ و يكون تقدير الكلام: و ينزّل من جبال فى السماء بردا، فزاد «من» كما يزاد فى قولهم: ما فى الدار من أحد، و كم أعطيتك من درهم!و ما لك عندى من حق؛ و ما أشبه ذلك.
و علامة زيادتها فى هذه المواضع أنك إذا أخرجتها أو ألغيتها كان الكلام مستقلاّ لا يتغيّر معناه، و جرى قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ مجرى قول القائل: كم حملت لك من الكوفة من سوقها من ثوب!و المعنى: كم حملت لك من سوق الكوفة ثوبا!
و الأولى أن يريد بلفظة اَلسَّمََاءِ هنا ما علا من الغيم و ارتفع فصار سماء لنا؛ لأنّ سماء البيت و سماوته ما ارتفع منه؛ و لأن السحاب لا يكون فى السماء التى هى الفلك للكواكب؛ و إنما هو تحته، و أراد بالجبال التشبيه، لأنّ السحاب المتراكب المتراكم تشبّهه العرب بالجبال و الجمال؛ و هذا شائع فى كلامها، كأنّه تعالى قال: و ينزّل من السحاب الّذي يشبه الجبال فى تراكمه بردا؛ فقد ظهر على هذا التأويل مفعول صحيح لـ ننزل ؛ و لا مفعول لهذا الفعل على التأويلات المتقدمة. ـ