الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٥ - تأويل آية
يقال: جئتك بكذا، و من بلد كذا؛ و أما الثالثة فبمعنى التفسير و التمييز، لأن الجبال تكون أنواعا فى ملك اللّه تعالى؛ فجاءت مِنْ لتمييز البرد من غيره؛ و تفسير معنى الجبال التى أنزل منها. و قد يصلح فى مثل هذا الموضع من الكلام أن يقال: «من جبال فيها برد» بغير «من» ، يترجم برد عن جبال؛ لأنها مخلوقة من برد، كما يقال: الحيوان من لحم و دم، و الحيوان لحم و دم؛ بـ «من» و بغير «من» ".
و وجدت على بن عيسى الرّمانىّ يقول فى تفسيره: "إن معنى مِنْ الأولى ابتداء الغاية؛ لأن السماء ابتداء الإنزال، و الثانية للتبعيض؛ لأن البرد بعض الجبال التى فى السماء، و الثالثة لتبيين الجنس؛ لأنّ جنس الجبال جنس البرد".
و هذه التفاسير على اختلافها غير شافية و لا كافية؛ و أنا أبيّن ما فيها من خلل، ثم أذكر ما عندى أنّه الصحيح:
أمّا من جعل فى السماء جبال برد، أو ما مقداره مقدار الجبال-على اختلاف عباراتهم- فيدخل عليه أن يبقى عليه قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ بغير مفعول؛ و لا ما يتعلق به؛ لأنّ تقدير الكلام على هذه التفاسير: و ينزّل من جبال برد فى السماء؛ فما الشيء الّذي أنزل به! فما تراه مذكورا فى الآية؛ و الكلام كلّه خال منه على هذا التأويل.
فأما أبو مسلم فيلزمه هذا الكلام بعينه، و يلزمه زائدا عليه أنه جعل الجبال اسما للبرد نفسه؛ من حيث كان مجبولا مستحجرا.
و هذا غلط؛ لأن الجبال و إن كانت فى الأصل مشتقة من الجبل و الجمع فقد صارت اسما لذى هيئة مخصوصة.
و لهذا لا يسمّى أحد من أهل اللغة كلّ جسم ضمّ بعضه إلى بعض-مع استحجار أو غير استحجار-بأنه جبل، و لا يخصّون بهذا اللفظ إلا أجساما مخصوصة.
و ليس يمتنع فى اللغة هذا؛ لأنّ اسم الدابة و إن كان مشتقا فى الأصل من الدبيب؛ فقد صار اسما لبعض ما دبّ، و لا يعم كلّ ما وقع منه الدبيب.