الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٩ - تأويل آية
/و الوجه الخامس أن يكون الاستثناء غير مؤثر فى النقصان من الخلود؛ و إنما الغرض فيه: أنه لو شاء أن يخرجهم و ألاّ يخلدهم لفعل، و أن التخليد إنما يكون بمشيئته و إرادته، كما يقول القائل لغيره: و اللّه لأضربنّك إلا أن أرى غير ذلك، و هو لا ينوى إلا ضربه، و معنى استثنائه هاهنا: أنى لو شئت ألاّ أضربك لفعلت و تمكنت؛ غير أنى مجمع على ضربك.
و الوجه السادس أن يكون تعليق ذلك بالمشيئة على سبيل التأكيد للخلود، و التبعيد للخروج؛ لأن اللّه تعالى لا يشاء إلا تخليدهم على ما حكم به، و دلّ عليه؛ و يجرى ذلك مجرى قول العرب: و اللّه لأهجرنّك إلا أن يشيب الغراب، و يبيضّ القار؛ و معنى ذلك أنى أهجرك أبدا؛ من حيث علّق بشرط معلوم أنه لا يحصل؛ و كذلك معنى الآيتين؛ و المراد بهما أنهم خالدون أبدا؛ لأن اللّه تعالى لا يشاء أن يقطع خلودهم.
و الوجه السابع أن يكون المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل الإيمان، الذين ضمّوا إلى إيمانهم و طاعتهم المعاصى؛ فقال تعالى: إنهم معاقبون فى النار إلا ما شاء ربك؛ من إخراجهم إلى الجنة، و إيصال ثواب طاعاتهم إليهم.
و يجوز أيضا أن يريد بأهل الشقاء هاهنا جميع الداخلين إلى جهنم؛ ثم استثنى تعالى بقوله:
إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ أهل الطاعات منهم، و من يستحقّ ثوابا لا بدّ أنه يوصل إليه فقال:
إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ من إخراج بعضهم؛ و هم أهل الثواب.
و أما الذين سعدوا فإنما استثنى من خلودهم أيضا لما ذكرناه؛ لأنّ من نقل من النار إلى الجنة و خلّد فيها لا بدّ من الإخبار عنه بتأبيد خلوده من استثناء ما تقدّم؛ فكأنه تعالى قال: إنهم خالدون فى الجنة ما دامت السموات و الأرض؛ إلا ما شاء ربك من الوقت الّذي أدخلهم فيه النار، قبل أن ينقلهم إلى الجنة.
و الذين شقوا على هذا الجواب هم الذين سعدوا، و إنما أجرى عليهم كل لفظ فى الحال التى تليق بهم؛ فهم إذا أدخلوا النار و عوقبوا فيها من أهل الشقاء، و إذا نقلوا إلى الجنة من أهل الجنة و السعادة.