الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٠ - مسألة
و المعنى امتلأ حتى لو كان ممن يقول لقال ذلك، و هذا أولى فى نفسى من تفسيرهم هذا البيت بأنه ظهرت منه أمارات القول و النطق.
و هذا الّذي أشرنا إليه هو معنى كلّ ما جرى مجرى هذا البيت؛ من قول الشاعر [١] :
و أجهشت للتّوباذ حين رأيته # و كبّر للرّحمن حين رآنى [٢]
فقلت له: أين الذين عهدتهم # بجنبك فى خفض و طيب زمان!
فقال: مضوا، و استودعونى بلادهم # و من ذا الّذي يبقى على الحدثان! [٣]
و من المحذوف أيضا قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ ؛ [الزمر: ٧٣]؛ و لم يأت لإذا جواب فى طول الكلام، و إنما حسن حذف الجواب الّذي هو: «فدخلوها» لورود ما يقوم مقامه؛ و يدل عليه من قوله تعالى: وَ قََالُوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي صَدَقَنََا وَعْدَهُ ؛ [الزمر: ٧٤]و ذلك لا يكون إلا بعد الدخول؛ و مثل ذلك قول امرئ القيس:
فلو أنها نفس تموت سويّة # و لكنّها نفس تساقط أنفسا [٤]
فحذف جواب، «لو» و الجواب هو: «لكان ذلك أروح لها و أخفّ عليها» ؛ و مثله قول الهذلىّ [٥] .
حتى إذا أسلكوهم فى قتائدة # شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا [٦]
و مثل هذا كله فى الحذف: إنما أتمنى كذا لو أعطيته؛ و ظاهر هذا الكلام كأنه مشروط و كأنه قال: إننى أتمناه إذا أعطيته؛ و الأمر بالضّد من ذلك؛ و المعنى: لو أعطيته لبلغت مناى، و لنفعنى؛ و ما أشبه ذلك المعنى.
[١] هو المجنون. الأغانى ١: ١٧٩.
[٢] التوباذ: جبل فى نجد؛ و الأبيات أيضا فى معجم البلدان (٢: ٤٢٤) من غير عزو.
[٣] بعدها فى معجم البلدان و الأغانى:
و إنّى لأبكى اليوم من حذرى غدا # فراقك و الحيان مختلفان
.
[٤] ديوانه: ١٤٢؛ و قوله: «تساقط، أى يموت بموتها بشر كثير.
[٥] هو عبد مناف بن ربع الهذلى؛ ديوان الهذليين ٢: ٤٢.
[٦] قتائدة: موضع، و الجمالة: أصحاب الجمال. و انظر الجزء الأول ص ٣.