الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨٩ - مسألة
و مما يفسد مذهب المنجمين، و يدل على ما لعلّه يتفق لهم من الإصابة على غير أصل، أنا قد شاهدنا جماعة من الزراقين [١] الذين لا يعرفون شيئا من علم النجوم، و لا نظروا قطّ فى شيء منه، يصيبون فيما يحكمون به إصابات مستطرفة؛ و قد كان المعروف بالشعرانىّ الّذي شاهدناه، و هو لا يحسن أن يأخذ الأصطرلاب للطالع، و لا نظر قطّ فى زيج، بل و لا تقويم؛ غير أنه ذكّى حاضر الجواب، فطن بالزّرق، معروف به، كثير الإصابة و بلوغ الغاية فيما يخرجه من من الأسرار. و لقد اجتمع يوما بين يدىّ جماعة كانوا عندى، و كلّنا قد اعتزمنا جهة نقصدها لبعض الأغراض؛ فسأله أحدنا عما نحن بصدده، فابتدأ من غير أخذ طالع، و لا نظر فى تقويم، فأخبرنا بالجهة التى أردنا قصدها، ثم عدل إلى كل واحد من الجماعة، فأخبره عن كثير من تفصيل أمره و أغراضه، حتى قال لأحدهم: و أنت من بين الجماعة قد وعدك واعد بشيء يوصله إليك، و قلبك به متعلّق؛ و فى كمك شيء مما يدلّ على هذا؛ و قد انقضت حاجتك و انتجزت، و جذب يده [٢] إلى كمه، و استخرج ما فيه، فاستحيا ذلك الرجل، و وجم و منع من الوقوف على ما فى كمه بجهده، فلم ينفعه ذلك، و أعان الحاضرون على إخراج ما فى كمه لما أحسوا بالإصابة من الزرّاق، فأخرج من كمه رقاع كثيرة، فى جملتها صكّ على دار الضرب بصلة من خليفة الوزراء فى ذلك الوقت؛ فعجبنا مما اتفق من إصابته مع بعده من صناعة النجوم.
و كان لنا صديق يقول أبدا: من أدلّ دليل على بطلان أحكام النجوم إصابة الشعرانىّ.
و جرى يوما مع من يتعاطى علم النجوم هذا الحديث فقال: عند المنجمين أن السّبب فى إصابة من لا يعلم شيئا من علم النجوم أنّ مولده و ما يتولاّه و تقتضيه كواكبه اقتضى له ذلك.
فقلت له: لعلّ بطليموس، و كل عالم من علماء المنجمين و مصيب فى أحكامه عليها إنما سبب إصابته مولده، و ما تقتضيه كواكبه من غير علم و لا فهم؛ فلا يجب أن يستدل بالإصابة على
[١] الزرق: تعليم الشعبذة و الحيل (دوزى ١: ٥٨٧) .
[٢] ط «ضرب» .