الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨٧ - مسألة
الطالع و احكموا؛ هل يؤخذ أو يترك؟فإن حكموا إما بالأخذ أو الترك خولفوا؛ و فعل خلاف ما خبّروا به.
و قد أعضلتهم هذه المسألة، و اعتذروا عنها بأعذار ملفّقة لا يخفى على عاقل سمعها بعدها من الصواب. فقالوا فى هذه المسألة: يجب أن يكتب هذا المبتلى بها ما يريد أن يفعل، أو يخبر به غيره؛ فإنا نخرج ما قد عزم عليه من أحد الأمرين.
و هذا التعليل منهم باطل؛ لأنه إذا كان النظر فى النجوم يدلّ على جميع الكائنات التى من جملتها ما يختاره أحدنا؛ من أخذ هذا الشيء أو تركه، فأىّ فرق بين أن يطوى ذلك فلا يخبر به و لا يكتبه؛ حتى يقول المنجم ما عنده، و بين أن يخبر به و يكتبه قبل ذلك!و إنما فزعوا إلى الكتابة و ما يجرى مجراها حتى لا يخالف المنجّم فيما يذكره؛ و يحكم به من أخذ أو ترك.
و لو كانت الأحكام صحيحة؛ و فيها دلالة على الكائنات لوجب أن يعرف المنجم ما اختاره من أحد الأمرين على كل حال.
و لو نزلنا تحت حكمهم؛ و كتبنا ما نريد أن نفعله لما وجدنا إصابتهم فى ذلك إلا أقلّ من خطئهم، و لم يزيدوا فيه على ما يفعله المخمّن المرجّم من نظر فى طالع و لا غارب، و لا رجوع إلى أصل؛ و إلا فالبلوى بيننا و بينكم.
و كان بعض الرؤساء بل الوزراء ممن كان فاضلا فى الأدب و الكتابة، و مشغوفا بالنجوم، عاملا عليها قال لى يوما-و قد جرى حديث يتعلق بأحكام النجوم، و رأى من مخائلى التعجب ممن يتشاغل بذلك، و يفنى زمانه به-: أريد أن أسألك عن شيء فى نفسى، فقلت: سل عما بدا لك، قال: أريد أن تعرفنى: هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى ألاّ تختار يوما لسفر، و لبس ثوب جديد، و توجّه فى حاجة؟فقلت: قد بلغت إلى ذلك و الحمد للّه و زيادة عليه، و ما فى دارى تقويم، و لا أنظر فيه، و ما رأيت مع ذلك إلا خيرا.
ثم أقبلت عليه فقلت: ندع ما يدلّ على بطلان أحكام النجوم مما يحتاج إلى فكر دقيق، و رويّة طويلة، و هاهنا شيء قريب لا بخفى على أحد ممن علت طبقته فى الفهم، أو انخفضت؛ خبّرنى لو فرضنا جادّة مسلوكة، و طريقا يمشى فيه الناس ليلا و نهارا، و فى محجّته آبار متقاربة